اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦
ثمة سوء فهم يتسلل إلى غرف الأخبار ومنصات المحتوى، يختزل أزمة الإعلام في سؤال واحد هو كيف نجذب الشباب؟ كيف نختصر الخبر، ونسرّع إيقاعه، ونغلّفه بصورة لافتة؟ حتى بات الشكل، في كثير من الأحيان، يسبق المضمون، وصار السؤال عن كيفية تقديم المعلومة أكثر إلحاحًا من السؤال عن صحتها وقيمتها، وما الذي نريد للناس أن يعرفوه أصلًا.
ليست المشكلة في الفيديو القصير، ولا في أدوات السرد الحديثة، بل في تحويلها من وسائل لنقل المعرفة إلى غايات قائمة بذاتها، وفي التعامل مع الجمهور باعتباره كتلة من المشاهدات ينبغي اقتناص انتباهها، لا عقولًا تستحق المعرفة الدقيقة. وهنا لا يعود الأمر مجرد انحراف مهني، بل مسألة تتصل بتشكيل الوعي العام.
يمكن إنتاج فيديو مذهل عن البطالة، برسوم جذابة وموسيقى مؤثرة وإيقاع سريع، ثم إخبار الناس، افتراضًا، بأن نسبتها خمسة في المئة بينما هي ثلاثون في المئة. سيكون المحتوى ناجحًا بمعايير الانتشار، لكنه كارثي بمعايير المعرفة. والأخطر أن جاذبيته قد تمنح المعلومة الخاطئة صدقية لا تستحقها. فالمشكلة ليست دائمًا في حجب الحقيقة، بل في تقديم واقع بديل يبدو مقنعًا بما يكفي لتصديقه.
وحتى الأرقام الصحيحة قد تصبح أدوات للتضليل حين تُنتزع من سياقها. فالقول إن البطالة انخفضت لا يكفي لفهم تحولات سوق العمل، ما لم نعرف حجم المشاركة الاقتصادية، وطبيعة الوظائف، والفئات التي شملها التحسن. هنا تحديدًا تتجلى الوظيفة السياسية للمعلومة فهي لا تصف الواقع فحسب، بل تؤثر في كيفية إدراك الناس له، وفي قدرتهم على الحكم على السياسات ومساءلة أصحاب القرار.
حين تتحول القضايا العامة إلى مقاطع سريعة تكتفي بالنتائج وتتجاهل الأسباب، فإن الخسارة تتجاوز المعرفة إلى المجال العام نفسه. فالمواطن الذي يعرف ماذا حدث دون أن يفهم لماذا حدث، أو من المسؤول عن حدوثه، يمتلك أخبارًا كثيرة، لكنه لا يمتلك بالضرورة وعيًا سياسيًا يساعده على مساءلة السلطة. وهكذا قد يتحول فائض المعلومات إلى شكل جديد من أشكال الجهل، لا بسبب ندرتها، بل بسبب تفريغها من المعنى.
الأرقام تكشف حجم هذا التحدي. فبحسب تقرير الأخبار الرقمية لعام 2025 الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة، يعتمد 44% من الشباب بين 18 و24 عامًا، في الأسواق الـ 48 المشمولة بالدراسة، على شبكات التواصل ومنصات الفيديو مصدرًا رئيسيًا للأخبار، فيما أعرب 58% من المشاركين عمومًا عن قلقهم من صعوبة التمييز بين الحقيقي والزائف في الأخبار عبر الإنترنت. إنها مفارقة تستحق التأمل بحيث تتسع قنوات الوصول إلى المعلومات، بينما يظل الوثوق بها تحديًا جوهريًا.
وقد حذّرت اليونسكو، في دليلها المتخصص حول الصحافة والتضليل المعلوماتي، من أثر اضطراب البيئة المعلوماتية في الثقة العامة، مؤكدة أهمية التحقق والمعايير المهنية واستقلال الصحافة. وهي مسؤولية تتعاظم حين تصبح المنافسة على الانتباه أشد من المنافسة على الحقيقة.
المفارقة أن المؤسسات الإعلامية، وفي محاولتها مجاراة المنصات، قد تتخلى تدريجيًا عما يمنحها قيمتها الأصلية. فإذا كانت الخوارزميات تكافئ الإثارة وسرعة التفاعل، فلا ينبغي لغرف الأخبار أن تجعل هذه المؤشرات حكمًا نهائيًا على جودة الصحافة. فمليون مشاهدة لمعلومة مضللة لا تصنع نجاحًا مهنيًا، كما أن محدودية انتشار مادة دقيقة لا تنفي قيمتها.
وليس صحيحًا أن مخاطبة الشباب تقتضي تبسيط العالم إلى حد تسطيحه. فالتبسيط مهارة معرفية، أما التسطيح فهو إلغاء للتعقيد الضروري لفهم الواقع. ويمكن لدقيقة واحدة أن تحمل معرفة حقيقية، مثلما تستطيع ساعة كاملة أن تستهلك الوقت دون إضافة معنى. المعيار ليس طول المادة ولا براعة إخراجها، بل ما تتركه في عقل المتلقي من فهم صحيح.
لذلك، ربما آن الأوان لأن تعيد غرف الأخبار ترتيب أسئلتها ليس فقط كم شخصًا شاهد المحتوى، بل ماذا فهم؟ وما الذي أضافته المعلومة إلى إدراكه؟ وهل أصبح أقدر على تفسير واقعه، أم مجرد مستهلك آخر لمشهد عابر؟
وظيفة الصحافة ليست إبهار الجمهور بما تعرف كيف تصنعه، بل احترامه بما تعرف كيف تتحقق منه وتفسره. فحين تصبح الحقيقة أقل أهمية من طريقة عرضها، لا نكون قد طوّرنا الصحافة لتناسب العصر، بل نكون قد طوّرنا قدرتنا على تسويق الجهل في هيئة معرفة.












































