اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ١٤ أذار ٢٠٢٦
تلتفت الجزائر إلى الخلف، وترى أرضا خصبة بالحريات، عندما كانت مأوى للحالمين في إفريقيا، كانت سقفا يتظلل تحته الراغبون في الخلاص من ظلم الاستعمار، ترى من الخلف كذلك مساحات رحبة في الأدب والمسرح والسينما، عندما كانت البلاد تتسلق سلم الأوسكار، وتتباها بسعفة ذهبية في مهرجان «كان»، عند كانت المسارح تنبت في القرى النائية، وهي قرى لا يلتقي فيها شخصان من دون الخوض في شؤون الثقافة، فقد كانت المكتبات كذلك رحبة في تلاقي الآداب المحلية مع نظيرتها الأجنبية، من غير أن تضايقها عين رقيب. في تلك السنين التي خلت، كانت قاعات السينما تحتشد بالهواة والعائلات وبالعابرين، كان الناس يخرجون من القاعات ويحلمون بتقمص أدوار ممثلين، فالحلم كان مباحا، فقد سادت فترة من الحماسة إلى الاختلاف، عندما كانت الطبقة السياسية تجاهر بحقها في الرأي، وكذلك حقها في المعارضة من غير حرج.
في زمن ضاقت فيه السجون، ولم يكن يدخل إليها سوى من اختلس مالا، أو أزهق روحا. في ذلك الماضي القريب، الذي تلتفت إليه الجزائر خلف ظهرها، عندما كانت المرأة تسير في الشارع، من غير أن يعترض طريقها غريب، فيسألها أن تستر شعرها أو ذراعيها أو ساقيها، كانت المرأة صورة من صور البلاد الناصعة. لم تكن تصادف في طريقها من ينتحل دور شرطي أخلاق، أو من يحصر عيشها باسم العادات والتقاليد. كان الإنسان مسؤولا عن فعله لا عن فكرته، يُحاسب على تصرفه لا على قوله. كانت أرض الأحلام اسمها الجزائر. ثم نلتفت إلى الزمن الحاضر وندرك أن الصورة قد انقلبت. لم يعد راهنها يشبه ماضيها. نرى أن السجن قد اتسع، بينما الإنسان صار يحاسب على فكرته لا على فعله. ثم نسمع عما تعانيه النساء، بعدما تلقصت ساعات خروجهن إلى الفضاء العام، وعندما يخرجن فلا بد أن يسمعن ما لا يسر الآذان. بينما قاعات السينما صارت من إسمنت وحديد، بل يمكن أن يقام مهرجان وتمتلئ ساحات بالمناشير والإعلانات، لكن بعض الناس لم تعد تستهويهم الفنون. والمسرح صار ترفا مثل المكتبات التي خلت من قرائها، بل من المكتبات من يستضيف نشاطات لا علاقة لها بالكتاب. إنها مبانٍ ويكفيها أن تعصم من يحتمي فيها من برد أو حر. لأن فعل القراءة لم يعد من العادات.
هل نتأسف على هذا الوضع؟ هل نبكي على الأطلال؟ هذا تصرف يليق بمن لا يريد أن يفكر، بمن يتقبل الهزيمة من الجولة الأولى، يليق هذا الجواب بمن لا يؤمن بالحق في مقاومة السائد. إن الاكتفاء بالخيبة أو التنديد هو خيار يناسب من يريد أن تظل الأمور على ما هي عليه. لأن من يرغب في التشييد سوف يفكر في البديل. ويدرك أن الجزائر لا تنقصها مؤهلات كي تستعيد ماضيها وتتدارك ما سبق، فتتخلص من قميص اللامبالاة. بإمكان البلاد أن تراجع نفسها، والمراجعات من صفات العقلاء، وأن تتدارك الحق في الإعلاء من الحرية، مثلما تتدارك أن الثقافة هي طينة البلد، التي يستحق أن يعاد النظر في مهامها، بدل أن تظل مثل ديكور يجري الحديث في شؤونها بكل برودة في قاعات واجتماعات علية القوم. فكلما اتسع باب الثقافة، استعاد الجزائريون حقهم في العيش الكريم. كلما أتيحت لهم حرية، فسوف يجدون بديلا في الخروج من الركود الذي يعيشون فيه.
عودة النخب
قد يقول أحدهم، إن هذا الوضع له ما يبرره، لا سيما أن السلطة، في الجزائر، وفي السنوات الأخيرة، تجد نفسها إزاء ترسانة من الإعلام المتطرف، من بقايا أحزاب دينية انتقل أصحابها إلى العيش في الخارج، ثم تحولوا بقدرة قادر إلى صحافيين، يقضون يومهم على اليوتيوب، أو تيك توك، أو على فيسبوك، في إحباط معنويات شباب يائسين من وضعهم، في تأليب الرأي العام، في نشر أخبار زائفة، في التصدي إلى كل محاولة في التغيير نحو الأحسن، وفي نشر تدين زائف، من غير الأخذ بعين الاعتبار خصوصية البلاد، التي كانت حاضنة للأديان من غير حرج. وكل يوم تقوم هذه القنوات على السوشيال ميديا بإحباط محاولة كل من يسعى إلى نفخ روح الأمل في الآخرين. مع ذلك فإنه مأزق يمكن الإفلات منه وتجاوزه، من خلال فتح الباب أمام إعلام حر في الداخل. لأن الانغلاق في الداخل أودى بالشباب إلى متابعة إعلام منحاز في الخارج. كما إنه ليس من المعيب أن تصغي السلطة إلى نقد في الداخل من طرف أشخاص يرجون الأفضل. ليس معيبا كذلك الإصغاء إلى المثقفين، الإمعان في مشاغلهم وفي ما يحتاجون إليه. كي نتدارك الفجوة التي تفصلنا عن ملاحقة تحولات الحاضر. والوصول إلى زمن الحاضر يحتاج كذلك إلى رد الاعتبار للنخب. لأن البلاد في زمنها الأحلى كانت فيه النخب تتصدر المشهد، ثم أودى استبعاد المثقفين إلى توالي الخيبات. فقد تشتتوا، منهم من اضطر إلى مهجر، ومنهم من اضطر إلى صمت. إن الجزائر في حاجة إلى مصالحة مع نفسها ومع أبنائها، إلى انفتاح أكبر على محيطها، أن تلعب دورها مثلما كانت في ما سبق، كنقطة التقاء لا نقطة تباعد. أن تصير ملتقى الشرق والغرب. أن تفتح عينيها وقلبها في الإصغاء إلى الغير. لأن الجزائر تستحق موقعها في محفل الأمم. أن تعود كما كانت مقصدا للغرباء والحالمين من غير تفرقة. لأن ما يحصل في الزمن الحالي، أننا نجد أنفسنا إزاء جوقة من ساسة وأحزاب، يملأون شاشات التلفزيون كل يوم. وعندما يسرف الساسة في الكلام، فإنهم يبتغون من ذلك تعتيما على فشلهم في الواقع. يختفون خلف الكلام من أجل أن ننسى زلاتهم. لأن رؤساء الأحزاب الذين يعملون لا يتكلمون، لأن الصمت يرشد إلى طريق من يؤمن بالحقيقة.
نحن في حاجة إلى مراجعة الذات، في الإصغاء إلى من يختلف معنا في الرأي، أن ننظر إلى ذواتنا في مرآة، بما يمكن الجزائر أن تتقدم خطوة إلى الأمام، كما يرجوها الجزائريون أنفسهم.
كاتب جزائري












































