اخبار الاردن
موقع كل يوم -سواليف
نشر بتاريخ: ١٩ أذار ٢٠٢٦
بين الترند والهوية.. من يختزل المرأة الأردنية!!؟
منى الغبين
في زمن أصبحت فيه المشاهدات معيارا ..والانتشار غاية بحد ذاته لم يعد مستغربا أن تتسلل بعض أشكال المحتوى التي تعيد تشكيل صورة المجتمع.. لا من خلال عمقه الحقيقي.. بل عبر نماذج مشوهة وسطحية يسهل استهلاكها…
وفي قلب هذا المشهد, تقف المرأة الأردنية كأكثر من يدفع ثمن هذا الاختزال…
أكتب هذا المقال تحديدا على خلفية ما يعرض في بعض البرامج المتداولة مؤخرا, والتي تعتمد على ثنائيات تقديمية تسعى إلى جذب الانتباه عبر الطرح الساخر والمحتوى الخفيف وتقديم نماذج لا تعكس حقيقة المجتمع الأردني, ولا تمثل المرأة الأردنية إلا بصورة مبتورة ومبالغ فيها…
المسألة لم تعد مجرد كوميديا.. بل تحولت إلى ظاهرة تستحق التوقف عندها بجدية…
فحين يتم تقديم المرأة الأردنية بصورة نمطية هزيلة,تختزل في سلوكيات مصطنعة أو مبالغ فيها فإننا لا نكون أمام مادة ترفيهية, بل أمام إعادة صياغة غير دقيقة للوعي العام, قد تنعكس تدريجيا على نظرة المجتمع لنفسه…
المرأة الأردنية تاريخيا واجتماعيا لم تكن يوما عنصرا هامشيا…
هي شريكة في بناء البيت والمجتمع، وحاضرة في تفاصيل الحياة اليومية بكل أعبائها وتعقيداتها… من البادية إلى المدينة ومن البيت إلى ميادين العمل والتعليم, تشكلت شخصيتها على مزيج من الصبر والمرونة والقدرة على التكيف…
هي التي في البادية كانت تستيقظ قبل الفجر, توقد النار تخبز على الصاج وتحمل يومها على كتفيها دون تذمر .. تصنع من البساطة كرامة ومن القلة اكتفاء…
وهي نفسها التي تقف اليوم في الصفوف الأولى معلمة وطبيبة موظفة وأم تدير يومها بين العمل ومتطلبات الأسرة دون أن تتخلى عن دورها أو حضورها… الماضي والحاضر ليس تفصيلا عابرا ,بل هو ما يمنح المرأة الأردنية خصوصيتها… فهي لم تنفصل عن جذورها, حتى وهي تواكب التحولات الحديثة.. ظلت تحمل قيم الستر والاحترام والتماسك الأسري.. دون أن تكون أسيرة لها بل شريكة في تطويرها…
وتبدو محاولات تقديمها بصورة ساخرة أو مبتذلة أقرب إلى (التسليع الإعلامي) حيث يتم اختيار أكثر الصور إثارة للانتباه وتعميمها لأنها ببساطة ((تُباع)) أكثر… وهنا يكمن الخلل ..ليس في وجود محتوى ترفيهي.. بل في غياب التوازن, وفي تقديم الاستثناء وكأنه القاعدة…
والسؤال الذي يفرض نفسه
*هل نحن أمام محتوى يعكس الواقع, أم يصنع واقعا بديلا بهدف الربح!!!!؟
القنوات الفضائية المحلية,بما تمتلكه من حضور وتأثير واسع, لم تكن المشكلة بحد ذاتها, لكنها أسهمت في خلق بيئة تكافئ الإثارة السريعة على حساب العمق, وتقدم ما يلفت الانتباه بدل ما يعكس الحقيقة!.
والانتشار على حساب الدقة, ومع تراجع الدور الرقابي, باتت بعض برامج القنوات الفضائية تدار بعقلية السوق البحتة,هدفها الأول تحقيق الأرباح واستقطاب الدعم عبر إثارة الجدل, حتى لو كان الثمن تشويه الواقع وتقديم نماذج لا تمثل المجتمع تحت لافتة (الترفيه)!!
في وطني الأردن ,المجتمع المحافظ الذي تشكلت ملامحه على قيم الكرامة والستر, لا يمكن فصل صورته عن صورة نسائه.. هذا وطن وصفي التل وأمثاله من الشرفاء الذين نشأوا في بيوت صنعتها نساء صابرات شامخات شموخ جبال الشراه ، راسخات كصخور وادي رم لم تزحزحهن ريح ولم تثنيهن الايام فيهن صبر الأرض وكبرياء المكان وقفت الأمهات بثبات حين مال كل شيء وربين الرجال والأمهات … عندما تختزل المرأة الأردنية وهي عماد هذا البناء في قوالب سطحية, فإن الإساءة لا تقف عند حدود معينة بل تمتد لتطال صورة وطن بأكمله, وتاريخ مجتمع قام على أكتاف الماجدات من نسائه…
المرأة الأردنية لا تحتاج إلى إعادة تعريف, فهي حاضرة بوضوح في كل بيت, وكل مؤسسة وكل قصة نجاح صامتة.. لكنها تستحق على الأقل ألا تستخدم كأداة سهلة لجذب الانتباه أو مادة للاستهلاك السريع…
واقول ما قاله الشاعر حبيب الزيود
هي البداوة إن تمشت أنثى
وتميل إن مرت بها الصحراء
وهي البلاد إذا تضيق بغيرها
وتضيق إن غابت بها الأسماء
تمشي فتنهض في خطاها أمة
وكأنها وطن به الأحياء..
هذا الوصف لا يبالغ بل يلامس جوهر الحقيقة المتجذرة في الوعي الأردني, فالمرأة الأردنية ليست مجرد جزء من المكان, بل هي التي تمنحه معناه,وتصوغ ملامحه وتبقيه حيا في الذاكرة والوجدان..
النقد والكوميديا جزء صحي في أي مجتمع, لكن بين النقد والتشويه مسافة وبين الضحك والإساءة حد يجب ألا يتجاوز …
وفي ظل هذا الواقع , السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه على من بيده القرار ليس ماذا ننتج بل ..إلى متى سيستمر هذا الاستهتار بصورة وطننا, وإلى متى ستظل قنواتنا وبرامجنا عاجزة عن الرقابة والمسؤولية تجاه مجتمعها وكرامته, حتى يستباح الوطن وصورته باسم الإثارة على حساب الحقيقة!!!؟












































