اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ١٩ أذار ٢٠٢٦
لم يعد أثر الأزمات الكبرى على المجتمعات والدول يقاس بالخسائر العسكرية أو الاقتصادية، بل يبرز أيضاً في قدرة الدولة على رواية قصتها. فالأزمة ليست مجرد أحداث متلاحقة، بل هي حكاية تُروى، وصراع على تفسير ما يحدث، وعلى سردية الصورة التي تتشكل في ذهن المواطن.
تخيل مواطناً عادياً في عمّان، يجلس مساءً أمام شاشة هاتفه يتابع الأخبار المتدفقة من كل مكان. بين لحظة وأخرى، يقرأ خبراً عاجلاً، يشاهد مقطعاً تحليلياً، أو يتصفح صوراً من الأقمار الصناعية تُظهر حركة الطائرات في المنطقة. هذا المواطن لا ينتظر فقط ما يقوله الإعلام الرسمي، بل يقارن ويحلل ويبحث عن إجابات. هنا يصبح الإعلام جزءاً من إدارة الأزمة، لا مجرد ناقل لها.
في الأسابيع الأخيرة، ومع تصاعد التوتر العسكري في الإقليم، وجدت كما وجد الأردنيون أنفسهم في قلب مشهد معقد. صدرت بيانات وتصريحات رسمية، بعضها لطمأنة الناس، وبعضها لشرح الإجراءات الأمنية. لكن التحدي الحقيقي لم يكن في إصدار التصريحات، بل في بناء رواية إعلامية متماسكة وسريعة، قادرة على مواكبة الأحداث وكسب ثقة الجمهور.
المشهد الإعلامي اليوم مختلف جذرياً عمّا كان قبل عقود. لم يعد المواطن يعتمد على التلفاز أو الصحف وحدها. ولم تعد الدول قادرة على التحكم في المزاج العام كما ساد في القرن الماضي. عبر هاتف صغير، يمكن لأي مواطن أن يعرف ما يجري في السماء أو على الحدود، وأن يقرأ عشرات التحليلات الدولية في دقائق. المعلومة لم تعد حكراً على أحد، بل أن بعض التقنيات يتم استخدامها من قبل المؤسسات والأفراد على حد سواء، إلا أنني أرى أن كثير ممن يتصدر المشهد الإعلامي المحلي حالياً لا زال يتعامل بأدوات وأحياناً عبارات إعلامية قديمة وغير مقنعة لنوعية المتلقي الحالي.
وهنا تظهر المعضلة: إذا جاءت المعلومات الرسمية متأخرة أو غامضة، فإنها تفتح الباب لتفسيرات أخرى. ليس لأن هناك نية للإخفاء، بل لأن طبيعة العصر تغيّرت، والجمهور تغيّر معها. المواطن الأردني اليوم أكثر اطلاعاً وانفتاحاً من أي وقت مضى، وهو قادر على رؤية الصورة من زوايا متعددة. لذلك أجد أن الخطاب الذي يعتمد على الغموض أو النفي دون تفسير مقنع قد يؤدي إلى فقدان الثقة بدلاً من تعزيزها علماً أن الأزمات هي محك حقيقي وفرصة لاسترداد ثقة المواطن، فالمطلوب ليس حمل المواطن الأردني على تجاهل الأحداث، بل أصبح واجباً أن يرتقي الخطاب الإعلامي إلى المستوى الثقافي والتحليلي الناضج للشارع.
وليس الأردن وحده أمام هذا التحدي. خلال حرب الخليج في التسعينيات، واجهت دول المنطقة تدفقاً هائلاً من الأخبار والشائعات، وكان الإعلام الرسمي في بعضها بطيئاً أو متردداً، ما فتح المجال أمام الروايات الدولية لتسيطر على المشهد. في المقابل، نرى تجربة أوكرانيا في السنوات الأخيرة، حيث اعتمدت الحكومة على خطاب إعلامي سريع وشفاف، يشرح التطورات العسكرية ويخاطب الداخل والخارج في آن واحد. هذا الأسلوب ساعدها على كسب تعاطف دولي وتعزيز ثقة مواطنيها رغم قسوة الحرب.
هذه التجارب تؤكد أن إدارة الأزمات إعلامياً لا تعني إخفاء المعلومات، بل تقديم رواية واضحة تحترم عقل الجمهور وتمنحه ما يكفي من الحقائق لفهم الصورة. المواطن يريد أن يشعر أن الدولة تخاطبه بصدق، حتى لو لم تكشف كل التفاصيل لأسباب أمنية.
الأردن يمتلك خبرة طويلة في التعامل مع الأزمات، وأرى أنه أثبت مراراً قدرته على تجاوز ظروف صعبة بتكاتف الدول مع المواطن. لكن التجربة الحالية أعادتنا إلى حقيقة مفادها أن المسؤول الإعلامي يجب ألا ينشغل بكيفية التحكم بالمعلومة، بل كيف يوصلها بذكاء وبما يحافظ على ثقة المواطن.












































