اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٢٧ أيلول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
المحامي سالم عيسى نجمه - أصبح السؤال في كثير من الأحيان ليس: ماذا قدمت؟ بل: كم شخصًا شاهدك؟ وليس: ما قيمة ما تقول؟ بل: كم عدد من أعاد نشره؟ وليس: ما الأثر الذي تركته؟ بل: كم عدد متابعيك؟ وهكذا أصبح الانتباه سلعة، والشهرة هدفًا، والضجيج وسيلة للنجاح.
في هذا السياق، تُروى قصة عن الكاتب الكبير عباس محمود العقاد، أن أحد الصحفيين سأله يومًا: 'من منكما أشهر: أنت أم شكوكو؟' وشكوكو، لمن لا يعرفه، كان ممثلًا ومطربًا مصريًا شهيرًا، عُرف بشخصيته الخاصة في اللباس والأداء والغناء الشعبي، وكان يتمتع بشعبية واسعة في زمانه. استاء العقاد من السؤال، وأجاب: “أنا لا أعرف شكوكو! ' وصلت إجابة العقاد إلى شكوكو، فقال للصحفي: 'اذهب وقل للعقاد أن يقابلني غدًا في ميدان عام، ولنرَى على من ستجتمع الجماهير! ' فجاء رد العقاد أكثر قسوة: 'قل لشكوكو: ليأتي إلى الميدان غدًا، وسأبعث راقصة تقف على الرصيف المقابل، ولنرَى على من ستجتمع الجماهير! '
ورغم قسوة رد العقاد، فإن وراءه معنى أعمق من مجرد ملاسنة بين رجلين؛ فـالشهرة ليست بالضرورة دليلًا على القيمة، وكثرة الجماهير ليست معيارًا للحقيقة أو الثقافة أو الرقي. والشهرة بحد ذاتها ليست مشكلة؛ إنما أن تتحول الشهرة إلى معيار للقيمة، وأن يصبح الانتشار دليلًا على النجاح، وعدد المتابعين مقياسًا لمكانة الإنسان. فكم من إنسان ذاع صيته ولم يكن له من القيمة بقدر ما له من الضجيج، وكم من إنسان عظيم عاش ومات دون أن يحظى بشهرة توازي أثره الحقيقي.
وحقيقة الأمر أن ميل الناس إلى السطحية ليس ظاهرة جديدة؛ فهي، بدرجات مختلفة، قديمة قدم الإنسان. فالنفس البشرية تميل بطبيعتها إلى ما هو سهل، خفيف، سريع وممتع، ولا تحتاج إلى كثير من الجهد أو التأمل. لكن الجديد في عصرنا أن السطحية امتلكت أدوات لم تكن متاحة لها من قبل. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت الوصول إلى الناس أسرع، والانتشار أوسع، وصناعة الشهرة أسهل. وأصبح من الممكن أن ينتقل محتوى سطحي أو مبتذل من شخص مجهول إلى ملايين الناس خلال ساعات، بينما قد يحتاج كتاب عميق أو فكرة جادة أو عمل ثقافي رفيع إلى سنوات حتى يجد طريقه إلى جمهوره.
ومع ذلك، ربما لا تكون المشكلة في الجمهور وحده، ولا في وسائل التواصل وحدها؛ فهذه الأدوات ليست سوى مرآة تعكس جزءًا مما نرغب في مشاهدته واستهلاكه. والسؤال الأهم ربما هو: هل نحن الذين صنعنا سوق السطحية، أم أن سوق السطحية هو الذي يعيد تشكيل ذائقتنا؟
وهنا ربما تكمن المشكلة الحقيقية، قد تغيّر تعريف النجاح. فأنا وأنت، وكل إنسان، نبحث عن النجاح، وهذا أمر طبيعي. لكن الخطورة تبدأ عندما تختزل معايير النجاح في الانتشار والضجيج والاستعراض وجذب الانتباه، بينما تتراجع إلى الخلف قيم مثل العلم، والأخلاق، والذوق، والإبداع، والعمق، وخدمة الإنسان والمجتمع.
وهل سيأتي يوم تتغير فيه المعادلة، فتعود القيمة إلى موقعها، ويصبح العمق أكثر جاذبية من الضجيج، والمعرفة أكثر احترامًا من الاستعراض، والأثر أهم من الشهرة؟ أم أن هذا التيار سيواصل اكتساحه، حتى يصبح عدد الذين يعرفونك أهم من قيمة ما قدمته، وحجم حضورك أهم من عمق أثرك؟ يعلم الله إلى أين نمضي. لكن المؤكد أن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تنتشر السطحية، بل أن نعتاد عليها حتى لا نعود نراها سطحية.












































