اخبار الاردن
موقع كل يوم -جو٢٤
نشر بتاريخ: ٣١ أب ٢٠٢٥
دين يسدد بدين.. هل تكفي لعبة الأرقام لإنقاذ الاقتصاد؟
د. ابراهيم النقرش
أعلنت الحكومة الأردنية أنها سددت نحو ملياري دينار من ديونها خلال الأشهر الماضية، لكنها في الوقت نفسه استدانت ثلاثة مليارات دينار جديدة عبر طرح سندات وأذونات خزينة. وبرغم أن هذا يبدو متناقضًا للوهلة الأولى، إلا أن البيانات الرسمية تشير إلى انخفاض إجمالي الدين العام من 46.394 مليار دينار في نهاية أيار إلى 46.012 مليار دينار في نهاية حزيران، أي بتراجع مقداره 382 مليون دينار. كما انخفضت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي من حوالي 119% إلى 118.3%.
السؤال الذي يطرحه المواطن هنا: كيف يمكن أن ينخفض الدين العام بينما الحكومة تستدين أكثر مما تسدد؟ أليس هذا مجرد 'تلبيس طواقي'؛ أي سداد دين قديم بدين جديد' وزيادة خدمة الدين'؟ في الواقع، ما حدث يُعرف اقتصاديًا باسم 'تدوير الدين'. وهو أسلوب تلجأ إليه معظم دول العالم، حتى الدول الكبرى، عندما يحين موعد استحقاق قروضها. فبدلًا من الدفع من خزينة الدولة مباشرة 'ويظهر عجز'، يتم إصدار سندات جديدة للحصول على تمويل من البنوك والمستثمرين، وتُستخدم هذه الأموال لسداد الالتزامات السابقة. بهذه الطريقة تحافظ الدولة على سمعتها الائتمانية وتثبت أنها قادرة على السداد في مواعيدها , وبالتالي تضمن الحصول على دين جديد.
هذا الأسلوب له مزايا لا يمكن إنكارها، فهو يمنع أي تعثر في السداد ويُسهل إعادة جدولة الديون بشروط أفضل، سواء من حيث الفوائد أو آجال الاستحقاق. لكنه في المقابل ليس 'حلًا جذريًا'، بل هو أقرب إلى تأجيل المشكلة بدلًا من حلها. ففوائد خدمة الدين وحدها تلتهم مبالغ ضخمة من الموازنة، فقد بلغت مؤخرًا حوالي 680 مليون دينار، وهو رقم ثقيل يذهب لخدمة الدين فقط دون أن يتحول إلى مشاريع تنموية أو خدمات يستفيد منها المواطن.
من هنا تبدو الصورة واضحة: الحكومة نجحت في إدارة تدوير الملف المالي على المدى القصير، لكنها لم تقدم حلًا طويل الأمد. الإصلاح الحقيقي لا يكمن في تدوير الدين فقط، بل في كسر حلقة الدين وخدمته بأكملها عبر سياسات اقتصادية شاملة. المطلوب تحفيز النمو لزيادة حجم الاقتصاد وبالتالي تخفيض نسبة الدين للناتج المحلي. كما أن إصلاح النظام الضريبي ليكون أكثر عدالة وكفاءة، وضبط النفقات العامة خاصة الترف الحكومي والرواتب الفلكيه للمؤسسات والنفقات الجارية، كلها خطوات لا غنى عنها لتحقيق استدامة مالية حقيقية.
وأنا برأيي، ما تقوم به الحكومة اليوم يشبه المزارع الذي يسدد قسطه بالاقتراض من مؤسسه جديده وبفوائد جديده، فيبقى في دوامة لا تنتهي. صحيح أن 'تدوير الدين' يحمي سمعة الأردن ماليًا أمام الأسواق والبنوك، لكنه لا يحمي جيب المواطن الذي يدفع ثمن هذه السياسة' السداد' عبر الضرائب وارتفاع الأسعار. المطلوب ليس فقط سداد دين بدين، بل إصلاح اقتصادي حقيقي يفتح فرص عمل، ويزيد الإنتاج، ويقلل اعتماد الدولة على جيوب الناس وعلى القروض. فالاستقرار لا يُبنى بالأرقام وحدها، بل برؤية شجاعة تُخفف من همّ المواطن والدين العام وتمنح الأجيال القادمة أرثا أخف حملًا وأكثر أملًا.