اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٢٨ أيلول ٢٠٢٦
ليس كل خطأ يحتاج إلى معاملة جديدة.
قد يكتب المواطن رقمًا بصورة غير صحيحة، أو ينسى توقيعًا في خانة محددة، أو يحضر وثيقة ناقصة، أو يضع إشارة في المكان الخطأ، أشياء صغيرة قد تُصحَّح خلال دقائق، لكنها أحيانًا تتحول إلى رحلة كاملة من جديد: طلب آخر، ورقة أخرى، دور جديد، ومراجعة ثانية، وربما موعد ثالث لاكتشاف أن التصحيح نفسه يحتاج إلى إجراء مستقل.
هنا لا يعود الخطأ هو المشكلة الحقيقية؛ المشكلة تصبح في الطريقة التي نتعامل بها مع الخطأ.
فالمواطن لا يدخل المؤسسة العامة وهو يبحث عن تجاوز للقانون، ولا يطلب عادة أن تُلغى عنه الشروط، هو يريد فقط أن يعرف: كيف أصحح ما أخطأت فيه دون أن أبدأ من الصفر؟
وهذا السؤال البسيط يستحق أن يكون حاضرًا عند تصميم الخدمات.
فالأنظمة والإجراءات ضرورية لحماية الحقوق وتحقيق العدالة ومنع الفوضى، لكن وجود القاعدة لا يعني بالضرورة أن تكون رحلة تطبيقها شاقة، هناك فرق بين الالتزام بالإجراء وبين جعل المواطن يدور حول الإجراء.
تخيل مواطنًا أخذ إجازة من عمله، ودفع أجرة المواصلات، وانتظر دوره، ثم اكتشف الموظف أن هناك معلومة ناقصة يمكن استكمالها خلال دقائق، إذا كان الحل الوحيد هو أن يعود في يوم آخر، فإن تكلفة النقص لم تعد ورقة ناقصة؛ أصبحت ساعات من العمل، ونفقات انتقال، وربما خصمًا من الراتب أو تأجيلًا لالتزام آخر.
وتصبح الكلفة أكبر حين يكون المراجع كبيرًا في السن، أو لا يجيد التعامل مع النماذج الإلكترونية، أو يأتي من منطقة بعيدة لإنجاز خدمة لا يستطيع الحصول عليها بالقرب من منزله.
لهذا فإن تبسيط الإجراءات لا ينبغي أن يعني فقط تقليل عدد الأوراق.
التبسيط الحقيقي يبدأ من سؤال أكثر عمقًا: كيف يعيش المواطن رحلة الخدمة منذ لحظة دخوله حتى مغادرته؟
كم خطوة يحتاج؟
كم مرة ينتظر؟
هل يعرف المطلوب منه بوضوح قبل أن يبدأ؟
هل يمكن تصحيح الخطأ في المكان نفسه؟
وهل يستطيع الموظف أن يشرح له ما ينقصه وكيف يستكمله، بدل أن تنتهي الجملة عند عبارة: «ارجع مرة ثانية»؟
قد تبدو هذه التفاصيل صغيرة من خلف مكتب الموظف، لكنها ليست صغيرة بالنسبة إلى شخص دفع من وقته وماله وجهده حتى يصل إلى ذلك المكتب.
وهنا تظهر أهمية المرونة المسؤولة.
فالمرونة لا تعني أن يتجاوز الموظف القانون، أو يتغاضى عن شرط أساسي، أو يمنح شخصًا ما لا يُمنح لغيره، هناك فرق واضح بين المرونة في طريقة تصحيح الخطأ وبين التهاون في جوهر المتطلب.
الأولى قد تجعل الخدمة أكثر سهولة وإنصافًا، أما الثانية فقد تفتح بابًا للفوضى وعدم المساواة.
لذلك، ربما لا نحتاج إلى إجراءات أقل بقدر ما نحتاج إلى إجراءات أذكى؛ إجراءات تعرف أن الإنسان قد ينسى، وقد يسيء الفهم، وقد يكتب معلومة بصورة خاطئة، وأن النظام الجيد لا يفترض الكمال من مستخدميه، بل يضع في حسابه احتمال الخطأ وكيفية التعامل معه.
فالمعاملة الناجحة ليست التي تنتهي في النهاية فقط، وإنما التي تجعل الطريق إليها مفهومًا، واضحًا، ومتناسبًا مع الخدمة المطلوبة.
وربما يكون أحد أهم الأسئلة التي ينبغي أن تُطرح عند مراجعة أي خدمة: ماذا يحدث عندما يخطئ الإنسان؟
إذا كانت الإجابة دائمًا: «ابدأ من جديد»، فهناك جانب من الخدمة يحتاج إلى مراجعة.
أما إذا كانت الإجابة: «لا تقلق، يمكننا تصحيحه من هنا»، فنحن أمام مؤسسة فهمت شيئًا يتجاوز الإجراء نفسه؛ فهمت أن وراء كل معاملة إنسانًا له عمل والتزامات ووقت وكرامة.
المواطن ليس رقم معاملة، والخطأ الذي يقع فيه لا ينبغي أن يحوله إلى رقم جديد في طابور آخر.
فجودة الخدمة لا تظهر فقط عندما تسير الأمور كما ينبغي، بل تظهر أكثر عندما لا تسير كما خُطط لها.
وحين يستطيع النظام أن يستوعب الخطأ البشري دون أن يحمّل صاحبه رحلة جديدة، تصبح الخدمة أكثر من مجرد إجراء ناجح؛ تصبح خدمة تستحق أن يثق بها الناس.












































