اخبار الاردن
موقع كل يوم -جو٢٤
نشر بتاريخ: ٢٩ أذار ٢٠٢٦
تحت غطاء الحرب على إيران: 'إسرائيل الكبرى' وتصفية القضية الفلسطينية #عاجل
اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني -
في الشرق الأوسط، لا يمكن فهم أي حراك عسكري بمعزل عن بيئته السياسية المتصلة بالهوية والجغرافيا. وثمة قاعدة ذهبية تحكم المشهد اليوم: 'إذا أردت تمرير جريمة كبرى، فاصنع ضجيجاً أكبر في مكان آخر'. بينما تتجه بوصلة الإعلام العالمي —وعلى رأسها ' قناة الجزيرة'— نحو ضجيج الحرب على إيران والضربات الصاروخية المتبادلة، تجري في الداخل الفلسطيني عملية 'جراحية' لاستئصال القضية من جذورها، ضمن إطار إستراتيجي واحد يهدف لترسيخ أنماط جديدة من الهيمنة الصهيوامريكية وإعادة رسم خرائط النفوذ.
مشروع الهيمنة: الحرب كأداة لتحقيق 'الحلم التوراتي'
إن التصعيد الحالي ضد إيران ليس مجرد مواجهة أمنية، بل هو جزء من رؤية اليمين الصهيوني المتطرف الذي يسعى منذ سنوات لفرض مشروع 'إسرائيل الكبرى'. تقوم هذه الرؤية على 'شرطين للتفوق': الأول هو كسر أي قوة إقليمية قادرة على موازنة القوة الصهيونية، والثاني —وهو الأهم— هو 'حسم' او إنهاء القضية الفلسطينية وتهميشها دولياً. تعتقد دوائر صنع القرار في تل أبيب أن انتصاراً إقليمياً على إيران سيجبر المنطقة على قبول دولة الكيان، بحكم الأمر الواقع De Facto، كقوة مهيمنة وحيدة، مما يجعل تصفية القضية الفلسطينية مجرد تفصيل إداري لا يجرؤ أحد على الاعتراض عليه.
قطاع غزة: 'الابتزاز' والتجويع والقتل في منطقة الظل
نجحت الاستراتيجية الصهيونية بقيادة نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة في تحويل مأساة غزة إلى 'خبر روتيني' أسفل الشاشة. يستغل الاحتلال الحرب على إيران لتثبيت حالة الهشاشة الأمنية والسياسية، والتنصل من التزاماته بشأن إدخال الغذاء والدواء وفتح المعابر وإعادة الإعمار، بل يمعن بالقتل والتدمير اليومي دون رقيب او حسيب وتحت بصر وسمع مجلس السلام 'الترامبي'!. والهدف هنا هو استخدام 'الحصار المطلق' كأداة لابتزاز الفلسطينيين والضغط عليهم لتحقيق مكاسب عسكرية بعيداً عن الكاميرات، مستغلين انشغال العالم بمتابعة تطورات هذه الحرب الإقليمية ومحاولة إحتواء تبعاتها، لإتمام مهمة الأرض المحروقة بصمت بعيدا عن الأضواء والكاميرات.
الضفة الغربية: الانقلاب التشريعي والضم الفعلي
خلف غبار المعارك، شهد عام 2026 تحولاً قانونياً مرعباً في الضفة الغربية؛ حيث انتقل الاحتلال من منطق 'إدارة الصراع' إلى 'حسمه' عبر تسجيل مساحات شاسعة كـ 'أراضي دولة' وإلغاء القوانين التاريخية والأردنية التي كانت تقيد الاستيطان. هذا الانقلاب الصامت تُرجم ميدانياً عبر تسليح آلاف المستوطنين وتشريد أكثر من 36 ألف فلسطيني منذ بداية العام، في خطة تهدف لفرض واقع جغرافي وديمغرافي يجعل من 'الترانسفير' نحو شرق النهر الخيار الوحيد المتبقي.
المسجد الأقصى: استراتيجية 'الأسرلة' او' الصهينة' خلف الأبواب المغلقة
استغل الاحتلال حالة 'الانشغال الدولي' وخاصة العربي والإسلامي لفرض إجراءات أمنية مشددة في القدس، وعلى رأسها إغلاق المسجد الأقصى لفترات طويلة متواصلة منذ بدأ الحرب على إيران في الثامن والعشرين من شباط الماضي وحرمان المصلين المسلمين من ممارسة شعائرهم. هذا الإجراء ليس أمنياً كما يبدو ظاهريا، بل هو تقاطع مع سياسة مخطط لها تهدف لتعزيز حضور الجماعات الصهيونية المتطرفة، في خطوات يراها مراقبون تمهيداً فعلياً للمساس ببنيان المسجد الأقصى وهويته التاريخية وصولاً إلى حلم هدمه وبناء الهيكل المزعوم.
قضية الأسرى: التنكيل المشرعن والقتل الصامت
أما خلف الجدران الصماء، فيواجه آلاف الأسرى الفلسطينيين حرب تصفية جسدية ومعنوية غير مسبوقة. فبينما يراقب العالم 'تبادل الضربات' في الإقليم، يسارع الكنيست لسن قوانين جائرة تتضمن 'إعدام الأسرى'، مع تصاعد ممارسات التنكيل والتجويع والتعذيب الوحشي التي أدت لارتقاء شهداء داخل السجون. لقد تحول ملف الأسرى في ظل 'ستار الدخان' إلى ساحة انتقام وحشية تجري بعيداً عن أي رقابة دولية أو ضغط حقوقي وازن.
الصوت الأردني: التحذير من 'الزلازل السياسية'
وسط هذا المشهد القاتم، برز صوت الملك عبد الله الثاني كأحد الأصوات العربية الوحيدة او القليلة التي استشعرت خطورة هذا المخطط. فقد حذر الملك بوضوح من محاولات التهجير والضم في غزة والضفة، مشدداً على ضرورة تثبيت الفلسطينيين على أرضهم. ويجسد هذا الموقف قلقاً من أن تحويل الضفة الغربية لواقع إداري إسرائيلي سيفجر 'زلازل سياسية واستراتيجية' لن تتوقف آثارها عند حدود فلسطين، بل ستضرب استقرار الإقليم برمته وتضع معاهدات السلام والعلاقات الدولية على حافة الانهيار.
نداء إلى الأمة: الأمانة والولاية
قبل أن نوجه عتابنا للمجتمع الدولي، نوجهه إلى عمقنا التاريخي، إلى الأمة العربية والإسلامية؛ صاحبة الولاية الشرعية والسياسية والأخلاقية على فلسطين ومقدساتها. إن الانكفاء وراء 'المصالح القطرية' أو الانجرار خلف صراعات المحاور الإقليمية المصطنعة او الإحتماء خلف التحالفات الأمريكية لا يعفي العواصم الكبرى من مسؤوليتها تجاه المسجد الأقصى الذي يُعزل ويُهدد، والأسرى الذين يُبادون، والأرض التي تُبتلع. إن فلسطين ليست شأناً 'فلسطينياً'، بل هي اختبار الوجود لهذه الأمة؛ فإذا ضاعت الأرض الفسطينية في الضفة الغربية وغزة وتم تهجير أهلها، وتصدع بنيان الأقصى، فلن تنجو أي عاصمة عربية أو إسلامية من تبعات هذه 'الزلازل السياسية' القادمة.
رسالة إلى الضمير العالمي
إن المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية يقفون اليوم أمام اختبار أخلاقي حاسم. إن الانشغال بمسارات الحرب على إيران لا يعفي أحداً من مسؤولية ما يحدث في قلب فلسطين. إن الصمت الدولي تجاه هذا 'الانقلاب الصامت' هو بمثابة اشتراك في الجريمة. إننا ندعو العالم للتوقف عن 'التنويم المغناطيسي' الإعلامي، وإدراك أن التاريخ لن يغفر لمن غضّوا الطرف عن 'الترانسفير' وتغيير الخرائط قسراً بينما كانت الكاميرات تُطارد الصواريخ والمسيرات في سماء المنطقة.
فإما أن يُوضع حدٌ لهذا التغول قبل فوات الأوان، أو أن يشهد العالم ولادة نظام إقليمي استعماري قائم على أنقاض العدالة والكرامة الإنسانية؛ نظام لن يضمن أمن أحد، بل سيفتح أبواب الانفجار الذي حذر منه الحكماء في هذا الإقليم.












































