اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٤ تشرين الأول ٢٠٢٦
السردية هي الاسم الآخر للرواية الأردنية، الرواية التاريخية الصحيحة الصادقة، التي تعتمد على الحقائق والمعطيات الدقيقة عن تاريخ هذا البلد العربي الصامد، الذي أثبت خلال تاريخه الطويل أنه في قلب الأحداث، وصانع لها، ومخلص لأمته وشعبه.
تجيء هذه السردية الآن بعد الكثير من اللغط حول الأردن: ما هو الأردن؟ ومن هم الأردنيون؟ هل هم شعب طارئ أم شعب عريق؟ وهل الأردن وطن متكامل ومتجانس، أم أنه خليط وهجين؟
لذلك، وبعد الكثير من الاتهامات والشكوك حول الأردن وكيفية وجود هذا الوطن، كان لا بد من الرد بسردية ورواية صحيحة تعتمد على الحقائق والأرقام والأسس العلمية السليمة، التي تثبت أن الأردن وطن عريق ممتد، وشعب ممتد عبر آلاف السنين.
لذلك، كان لا بد للأردن، دولة وشعباً، وخاصة المؤسسات ذات المسؤولية المباشرة، أن ترد على الكثير من المغالطات والاتهامات التي يكثر فيها الدس، ويقل فيها الجهل، فهي ما بين الدس والجهل.
ذلك الرد يجب أن يكون حقيقياً وصادقاً؛ لا أن نجمل الصورة ولا أن نسيء إليها، بل نقدمها كما هي.
لذلك، ورغم أن هذه السردية جاءت متأخرة جداً، إلا أنه لا بد لها أن تُروى وأن تُقدَّم للأردنيين أولاً، وللعالم بشكل عام.
فالأردن بلد ممتد عبر آلاف السنين. وعندما نتحدث عن الوطن الأردني والشعب الأردني الممتد عبر آلاف السنين، فإننا لا نقول ذلك جزافاً، بل نعتمد فيه على الحقائق المادية والمعنوية. وبما أن الحقائق المادية لا يمكن تغييرها أو تزويرها، فلنبدأ منها.
فعندما نتحدث عن الآثار التاريخية في عين غزال، التي يعود تاريخها إلى 7000 سنة أو أكثر، فإننا نتحدث عن حقائق مادية موجودة فعلاً.
وعندما نتحدث عن آلاف الآثار التاريخية والقلاع والجسور والكتابات التاريخية المنتشرة في مساحة الأردن، فإننا نتحدث عن حقائق مادية وأسس دامغة على هذا الوجود الأردني الممتد.
فعندما نتحدث عن هذا الوجود الممتد، ننظر إلى البتراء التي بناها الأنباط، أوائل الأردنيين. ولا يمكن لأحد أن ينفي وجود البتراء، ولا وجود الأنباط، ولا جغرافية هذه الأرض ومكانها.
وعندما ننظر إلى القلاع: قلعة الكرك، وقلعة الشوبك، وقلعة السلط، وقلعة عجلون، نجد أن في كل مكان في الأردن قلاعاً وأماكن وقصوراً ومساحات جغرافية تحكي قصة الأوائل الذين عاشوا على هذه الأرض وبنوا حضارة عريقة.
وهذه هي السردية التي ترد على تلك الشكوك، والتي تقول إن الأردنيين موجودون منذ آلاف السنين، وأنهم شعب ممتد.
ولكي لا نذهب بعيداً، نتحدث عن الأدوميين والأنباط في الأردن، وعن المؤابيين الذين لا تزال آثارهم شامخة وموجودة، ويزورها السياح من كل مكان في العالم.
وعندما نتحدث عن الأنباط، ننظر إلى تدمر، وننظر إلى البتراء الشامخة التي تناطح السماء. وعندما نتحدث عن المؤابيين، ننظر إلى الملك ميشع ومسلة ميشع الموجودة الآن في أكبر متاحف العالم.
وعندما نتحدث عن العمونيين، ننظر إلى جبل القلعة في عمان، عمان ربة عمون. وننظر إلى قلعة السلط، وقلعة عجلون، والكثير الكثير من القلاع في البادية وفي كل مكان على الأرض الأردنية.
قد يفوتنا الكثير من الأسماء والكثير من المواقع، لكننا نذكر هنا فقط بعض النماذج.
لذلك، كان لا بد أن نتحدث عن هذا التاريخ القديم، ثم نمتد به إلى التاريخ الحديث، وتاريخ الفتح الإسلامي، حين أسس الخليفة عمر بن الخطاب جند الأردن، إلى جانب جند فلسطين وجند الشام وجند طرابلس، وكان جند الأردن قوة مسلحة خاصة بالأردن. وقد عُيّن الصحابي أبو عبيدة بن الجراح حاكماً والياً على الأردن تحديداً.
كما ذُكر الأردن في الكتب والمراجع خلال العهد الأموي والعباسي، ضمن هذا التاريخ الممتد الذي يتبعه ويلحق به.
لكن المرحلة الأهم في تاريخنا هي مرحلة التاريخ الحديث. فقد كان الأردن جزءاً من الدولة العثمانية التي اكتسحت هذه البلاد واحتلتها، وكان جزءاً من ولاية سوريا التي كانت تتألف من عدة سناجق، منها سنجق الأردن، وسنجق فلسطين، وسنجق طرابلس. وكانت عاصمة ولاية سوريا دمشق، وكان الأردن جزءاً من هذه الدولة المشتركة.
وكان الأردنيون يساهمون في المجالس النيابية، سواء في ولاية الشام أو في البرلمان العثماني.
فقد كان الشيخ توفيق المجالي، مثلاً، ممثلاً للأردن في مجلس المبعوثان، بتوافق بين عشائر وقبائل الأردن، مما يدل على أن الأردن كان موجوداً كوحدة إدارية، وككتلة جغرافية وبشرية متكاملة.
وكان الأردن أيضاً ممثلاً في المجالس النيابية في ولاية سوريا، وحاضراً بممثليه. وشارك رجالات الأردن أيضاً في الثورة العربية الكبرى مع أشقائهم في بلاد الشام والعراق والحجاز.
وعندما احتل الفرنسيون دمشق، عاصمة مملكتهم -مملكة سوريا التي تأسست في تشرين الأول (أكتوبر) 1918 وامتدت حتى تموز 1920- كان الأردن جزءاً من هذه المملكة، وكان نواب أردنيون أعضاء في المجلس النيابي، أو المجلس الوطني السوري، لأننا كنا جميعاً نُسمّى سوريين، أي أبناء سوريا الكبرى.
وعندما احتل الفرنسيون دمشق عاصمة الدولة، قام الأردنيون بأنفسهم بملء الفراغ، وعقدوا ثلاثة مؤتمرات، أهمها وآخرها مؤتمر أم قيس، الذي عُقد في 2 أيلول (سبتمبر) 1920، بعد فترة قصيرة من احتلال دمشق. عقد الأردنيون -رؤساء وشيوخ العشائر والقبائل- هذا المؤتمر، وصدر عنه 12 قراراً، من بينها تأسيس كيان سياسي أردني، أي دولة أردنية، لتعبئة هذا الفراغ.
وهذا يدل على وعي سياسي أردني عند أجدادنا، بأنه عندما يحتل الفرنسيون عاصمة البلاد، يقومون هم بتعبئة الفراغ وإقامة كيان سياسي يحافظ على الأمن والسلامة والوجود الوطني الأردني.
ومن هذه القرارات: تأسيس إمارة أردنية يرأسها أمير عربي، ورفض وعد بلفور وتوطين اليهود في هذه المنطقة، والعمل على إيجاد إدارة سياسية وحكومات محلية، وقد أسسوا بالفعل هذه الحكومات المحلية، بحيث لم يكن هناك أي فراغ إداري منذ سقوط دمشق، عاصمة المملكة السورية التي كنا جزءاً منها.
لذلك تأسست حكومات في عجلون وفي الكرك وفي السلط وفي أماكن مختلفة، وهؤلاء الحكام الإداريون منتخبون من أهل البلاد.
ثم بعثوا بقرارات مؤتمر أم قيس إلى الشريف حسين في مكة، لإبلاغه بها وبتمسكهم بمبادئ الثورة العربية، التي تعني أولاً وحدة الوطن العربي، ووحدة سوريا الكبرى مع بلاد الحجاز والجزيرة العربية.
وطلبوا من الشريف حسين التعامل مع هذه القرارات، وإرسال أحد أبنائه لإدارة هذا الجزء من الوطن العربي، فأرسل نجله الأمير عبد الله بن الحسين، الذي وصل بعد نحو شهرين ونصف إلى ثلاثة أشهر. وإذا أخذنا بعين الاعتبار وسائل السفر في ذلك الوقت -على الدواب- فإن الأمير عبد الله يكون قد وصل بسرعة تُحسب له.
فوصل الأمير عبد الله والتقى الأردنيين والسوريين، وقالوا: نريد أن نبني كياناً أردنياً على الأرض الأردنية للعمل على استعادة سوريا كلها وتوحيدها بإذن الله. فجاء الإخوة السوريون والعراقيون والتقوا بالأمير عبد الله في الأردن، وانتقلوا إلى عمان، ووضعوا خطة لإقامة حركة مقاومة عربية في سوريا لاستعادتها من الاحتلال الفرنسي.
إلا أن هذه الإمكانيات العربية كانت قليلة مقارنة بقوة فرنسا التي كانت بريطانيا تساعدها بالطبع. ولم يكن بالإمكان المواجهة العسكرية، فلجأوا إلى الأساليب السياسية، ومنها تأسيس إمارة شرق الأردن، أي مملكة الأردن، لتكون منطلقاً لوحدة الوطن السوري. فتأسس الأردن لا ككيان انفصالي، بل كيان سياسي ينطلق منه صوت الوحدة السورية ثم العربية.
هذه الحقائق التاريخية، التي ينفيها كثيرون ويشكك فيها كثيرون آخرون، نريد لها أن تكون جزءاً من هذه السردية، لأنها حقائق دامغة وموثقة، تؤكد أصالة هذا الوطن وقدرة أبنائه على إدارة أنفسهم.
* دبلوماسي وأكاديمي أردني












































