اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ١٠ تشرين الأول ٢٠٢٦
الدّراما الإنسانية لا تزال الأكثر مبيعًا على جميع الصُّعُد. ولا يقصد بالأكثر مبيعًا تقييمها عند العرض في الأفلام والمسلسلات؛ بل قولبتها كوسيلة فاعلة لجذب الانتباه، وكسب التعاطف، وتنفيذ أكثر المخططات تعقيدًا. وحتى ولو كانت القصة المسردة غير مألوفة ومن وحي خيال قائلها، بيد أنها حتمًا تنطوي على عناصر إنسانية واقعية، سواء من خلال التجارب الشخصية أو معرفة أحدهم مرّ بظروف مُشابهة. فالجميع يحاول أن يستقي الدرس والعبرة من تجارب الآخرين؛ لتكوين ما يسمى بكتاب الألعاب الذي يساعد الفرد على مجابهة والتصرُّف في مواقف متعددة.
وأمَّا الجانب المظلم في أي دراما إنسانية واقعية يكمن في اختلاط المشاعر والتصرُّفات، التي من خلالها يتم دفع الأحداث وتواليها. ففي الواقع، لا توجد شخصيات شريرة فقط وأخرى طيبة فقط؛ لأن أي شخصية طبيعية على المستوى الإنساني شديدة التعقيد وتقع في المنطقة الرمادية، ويبدأ تصنيف الشخص تبعًا لأنماط الشخصية المُتعارف عليها؛ مثل طيب أو شرير أو كريم… عندما تطغى صفة واحدة على باقي صفاته الأخرى.
والأساطير الإغريقية، التي تناولها العالم الغربي بالشرح والتحليل المكثَّف منذ قديم الأزل إلى وقتنا الحالي، صارت نموذجًا إنسانيًا نابضًا للعلاقات الآدمية والحكاية التي يمكن أن تجعل الفرد يعلم كيفية التعامل مع الآخرين وطبيعة البشر. وتُلقي الضوء على آلية الثواب والعقاب، وأهميَّة التحلِّي بالأخلاق الحميدة.
وأحد الأساطير اليونانية التي لم يستطع البشر حسم ردة فعله إزاءها، كانت أسطورة «ميديا»، الفتاة المُحبَّة الحنون، والزوجة المخلصة المغدور بها، والقاتلة الشرسة، والدَّاهية السياسية، التي أضحت أسطورتها تثير حالة من الشعور المختلط بين مشاهدي مسرح «ديونيسيوس» الإغريقي الشهير. وعندما عرض الكاتب الشهير يوريبدوس (480-406) رواية «ميديا» في مهرجان المسرح، لم يحصد الإعجاب كما اعتاد فيما سبق، بل وجد ردة فعل باهتة من قبل المُشاهدين، وتصويتاً أحال مسرحيته إلى المركز الثّالث والأخير. ولم يكن ذلك غريبًا عليه؛ فقد دأب على أن يتناول في مسرحيَّاته الأخيرة أفكارًا ليبرالية تكسر جميع تابوهات المجتمع. وبالإضافة إلى ذلك، أصبح الرجال لديه فئة مُستهدفة يسلِّط الضوء على سلبياتها. ويضاف إلى ذلك انطواؤها على أفكار تحرُّرية مناصرة للمرأة، وجميعها أفكار كانت حينها غريبة على المجتمع، ويعتبرها المجتمع الذكوري مهينة له. ومن ثمَّ، فإنّ «الأسطورة» تمهيد صريح للحركات النسوية المعاصرة، وتبنت أفكارًا أكثر جرأة وصادمة أيضًا للمجتمعات المُعاصرة، فما بالك بصدمة المشاهدين في عصور ما قبل التَّاريخ!
وميديا الأميرة ابنة الملك إييتس حاكم «كولكيس» ساحرة ذات قدرات هائلة، أحبَّت المُحارب جيسون وساعدته أن يحظى بمكانة مرموقة اجتماعيّاً وسياسيّاً، وقرَّبته من آلهة الإغريق بعد أن ساعدته في الحصول على الفروة الذهبية المرجوَّة، وكانت القوَّة الخفية التي تساعده على اجتياز العقبات الشديدة الصعوبة التي كانت تواجهه حينما كان يسعى خلف أخذ الفروة الذهبية. وأفضى نجاحه المدوِّي في مهمَّته الصعبة إلى نيله شهرة محارب جريء وشجاع ذي مكانة مرموقة. وتُوِّجت حكايته مع السَّاحرة ميديا ذات القدرات الخارقة بالزواج وإنجاب عدد من الأطفال. وبهذا، صارت قصة ميديا ونهايتها السعيدة أنموذجًا للتفاني في الحبّ والتضحية.
ويبدو أنَّ النهايات السعيدة، حتى في الأساطير، ما هي إلَّا حدث عارض سُرعان ما يفنى ليحلّ بدلًا منه جُرح غائر؛ فقد فاجأ جيسون زوجته المُحبَّة التي تذوب فيه عشقًا وتتفانى في خدمته وخدمة أطفالها، بخبر اعتزامه الزواج من أخرى، الأميرة جلوس ابنة الملك سيروسا ملك «كورينس»، ولم يبال بصدمتها الشديدة، بل استمر في إقناعها بأن هذا الزواج يأتي في صالح جميع أفراد العائلة، وأنه بالزواج من الأميرة جلوس سيؤمِّن مالًا وفيرًا لينفق به على المنزل والأطفال. وعندما رفضت بشدة، ما كان منه إلَّا أن اتهمها بالجحود والأنانية، وأخبرها أنه لن يتوانى أبدًا عن تنفيذ ما عقد عليه النيَّة. للأسف، تعدّ الحكاية حتى الآن مألوفة ولا تختلف كثيرًا عمَّا حدث، ولا يزال يحدث لشريحة واسعة من النساء على الصعيد العالمي.
فما كان من ميديا إلَّا التظاهر بالموافقة المبدئية. بيد أنّها تتفاجأ بأن الملك سيروسا اشترط على جيسون أن يطرد زوجته وأطفاله قبل إتمام الزيجة. وتلك الزوجة الطيبة تعبِّر عن ألمها وحزنها العميق عبر اثنين من أروع المونولوجات، اللذين يضاهيان الخطاب النسوي المتعارف عليه حاليًا. وفي المونولوج الثَّاني تكشف ميديا اللثام عن خطَّتها للانتقام من زوجها وخطيبته دفعة واحدة. وحتى لا ينتقد أحدهم خطة الانتقام المُفجعة التي أعدَّتها، تبرر ما تفعله أن زوجها تركها وحيدة في بلد غريب لتلاقي مصيراً لا يمكن التكهُّن به. وأضافت أنّ ما يحدث للنساء المغدورات شيء لا يطاق من شريحة رجال لا تقدِّر أنّ عناء وآلام ولادة طفل واحد أصعب من مجابهة جيش جرَّار بأكمله.
وعلى إثر ذلك، تُرسل أطفالها برداء ذهبي ومعه تاج، وكلاهما مشبَّعان بمادة السُّمّ الذي يذيب لحم البشر. وعند ارتداء الأميرة التَّاج والثوب، تخرّ أرضًا وتفقد حياتها، فيهرع لها والدها يحتضنها، لكن السمّ ينتقل إليه أيضًا ويخرّ صريعًا بجانب جثَّة ابنته. وبهذا يفقد جيسون طموحه بأن يحظى بمكانة واسم ملكي. وإمعانًا في إذلاله وتحطيمه معنويًا، تقتل أطفالها الثلاثة وتشترط على زوجها ألَّا يدفنهم؛ حتى يكونوا الشهيد على غدره ويذكِّروه دائمًا بما فعله ليحطِّم أسرتهما السعيدة. ويجب التنبيه بأنَّ تلك النهاية الصَّادمة التي تخالف طبيعة الأمومة وغريزة المرأة، بوجه عام، قد وضعها يوريبيدس كي يزيد من وتيرة الصراع، علمًا أن في روايات سالفة قتل أطفال جيسون شعب «كورينث» المغدور بملكهم وأميرتهم.
وأمَّا المفاجأة الكبرى، فأنه على عكس المتعارف عليه في الأدب، لا توجد أي عدالة سماوية لمعاقبة الأمّ القاتلة؛ فقد أرسل الملك إييتس لابنته عربة طائرة لتعود بها لمملكة والدها. وأمَّا جيسون، فيفقد كل مكاسبه وتغلق جميع الأبواب في وجهه، ويهيم مشرَّدًا في الشوارع. وعندما يخلد للنوم في ظلّ السفينة التي أبحر بها ليقتنص الفروة الذهبية، التي أصبحت متهالكة بعد أن نبذها جريًا وراء أطماعه، تهوى عليه إحدى عوارضها وتقتله.
وعلى الجانب الآخر، ميديا تتزوَّج من ملك ويصير لها شأن سياسي في مملكته، وتنجب طفلًا منه. وحتى بعد أن تترك العيش مع هذا الملك، تبتعد بابنها لمملكة بعيدة يكرمها فيها سكَّانها ويطلقون على أنفسهم اسم «ميديا» تيمُّنًا بها، كأنها تصير ملكة ولها مملكة صنعتها بيدها وتنتظر أن يرثها ابنها بعد أن تفارق روحها جسدها.
والجانب الأكثر غرابة في هذه الأسطورة أن ميديا بعد جرائمها الشنعاء، كتب لاسمها الخلود، وصارت أهم وسيلة تواصل وأخبار وإلهاء في العصر الحديث، لدرجة أنها هيمنت حاليًا على عقول جميع البشر وصارت الدواء الفاعل الناجع لجميع الحالات.
تعدّ أسطورة ميديا واحدة من أكثر الأساطير الإغريقية غرابة وعمقاً؛ فهي على نقيض الأساطير الأخرى السطحية التكوين التي ينظر لها غالبًا من جانب واحد لتعلِّم درسًا أخلاقيًا يكاد يكون وحيداً، لأنها تناقش أفكاراً تقدُّمية وتعرض قضايا متشابكة ومعقَّدة لا يفهما إلَّا عالم اليوم، ما يعني أن كفَّة العلاقات الإنسانية دائمًا الأرجح.












































