اخبار الاردن
موقع كل يوم -سواليف
نشر بتاريخ: ١ أيلول ٢٠٢٦
على أعتاب عام دراسي جديد
العلم في الإسلام: طريق البناء والخلود – إعداد ماجد دودين
مع إطلالة كل عام دراسي جديد، تشرع عقول شبابنا وفتياتنا في رسم ملامح مستقبلهم، واختيار مساراتهم العلمية بعناية؛ فهذا يحدو به الشغف نحو الطب، وذاك يشدّه الإبداع إلى الهندسة، وآخر يطمح لاحتراف البرمجيات والتقنية، وغيرهم يتجه إلى إدارة الأعمال أو سائر التخصصات التي تقوم بها الأمم وتنهض بها المجتمعات. لكن السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يسبق كل هذه الاختيارات، بل أن يكون منطلقها ومحورها، هو: ما هي نظرة الإسلام إلى العلم؟ وما الغاية التي يريدها الله منا حين نتعلم؟
بين الأفق الرباني والجهد البشري
إن من أعظم ما منّ الله به على الإنسان، بعد نعمة الإيمان، نعمة العلم. فبه يُعرف الله جل وعلا، وتُعرف شرائعه، وتستقيم العبادة، وترتقي الأمم، وتُبنى الحضارات. وما من دليل على شرف العلم أجلّ من أن أول ما نزل من القرآن كان الأمر الإلهي: 'اقرأ باسم ربك الذي خلق'. وهنا وقفة تأمل؛ فلم يقل الله 'اقرأ' فحسب، بل قال 'اقرأ باسم ربك'؛ ليعلمنا أن العلم في الإسلام ليس غاية في ذاته، بل هو وسيلة وطريق إلى معرفة الله، وهداية الخلق، وعمارة الأرض بما يرضي الخالق سبحانه وتعالى.
الإسلام لا يريد علماً يبني الحضارة ويهدم الأخلاق، ولا علماً يعمّر الدنيا ويخرب الآخرة، وإنما يريد علماً يصلح للإنسان في دينه ودنياه معاً، علماً يخدم الحياة ويُزكّي الروح.
العلم نور، والإيمان قائد
ولما أراد الله أن يظهر فضل آدم عليه السلام على الملائكة، لم يظهر فضله بقوة جسده، ولا بعلو نسبه، وإنما بعلمه؛ إذ قال سبحانه: 'وعلم آدم الأسماء كلها'. وهكذا أراد الله أن يبقى هذا الدرس خالداً للبشرية: أن رفعة الإنسان الحقيقية ليست في صورته، ولا ماله، ولا منصبه، بل بما يحمله من علم نافع وعمل صالح.
وقد قرن الله العلم بالإيمان في أكثر من موضع، فقال تعالى: 'يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات'، ولم يقل 'الذين أوتوا العلم' فقط، لأن العلم إذا فارق الإيمان قد يصير سبباً للطغيان، أما إذا اقترن به، صار نوراً يهدي، ورحمة تنفع، وبركة تعم العباد والبلاد.
كل علم نافع هو قربة إلى الله
من المفاهيم الراسخة في رؤية الإسلام للعلم أنه لا يفرّق بين علم شرعي يقرّب إلى الله، وعلم دنيوي ينفع عباد الله؛ فمتى كان العلم نافعاً، وصلحت فيه النية، وقُصد به وجه الله، فهو باب من أبواب الخير، وسبب من أسباب الأجر.
فالطبيب الذي يخفف آلام المرضى، والمهندس الذي يعمّر الأرض، والمعلم الذي يبني العقول، والباحث الذي يخدم أمته، والمبرمج الذي يسخّر علمه في نفع الناس- كل أولئك على خير عظيم إذا ابتغوا بذلك وجه الله، وقصدوا نفع عباده. فالنية هي التي ترفع العمل، وتجعل المهنة عبادة والوظيفة قربة إلى الله.
طالب العلم: بين النية الجادة والصبر الجميل
إن طريق العلم ليس ممهداً بالورود؛ إنه طريق صبر ومجاهدة ومثابرة. ومن أبلغ ما يُروى في هذا المعنى قصة الإمام القاضي أبي يوسف، تلميذ الإمام أبي حنيفة، ذلك اليتيم الذي أرادت أمه أن يعمل عند رجل يغسل الثياب ليعينها على النفقة، لكنه كان يهرب من العمل ويجلس في حلقات العلم.
وذات يوم جاءت الأم غاضبة إلى الإمام أبي حنيفة، فقالت له: ما لهذا الغلام فساد غيرك؟! فأجابها الإمام بنظرة ثاقبة: 'دعيه؛ فإني أرجو أن يأتي يوم يأكل فيه الفالوذج بدهن الفستق' — وكان الفالوذج من أفخر الحلوى، لا يأكله إلا الخاصة من الملوك والأغنياء. فاستغربت الأم قائلة: أنت شيخ قد خرفت! لكن أبا يوسف لزم شيخه، وصبر على طلب العلم، حتى أصبح قاضي القضاة في دولة هارون الرشيد. وفي أحد الأيام، قُدّم الفالوذج للخليفة، فقال لأبي يوسف: كل منه، فتبسم القاضي، وأخبر الخليفة بقصة أمه مع الإمام أبي حنيفة، فقال هارون الرشيد معجباً: 'إن العلم ينفع ويرفع في الدنيا والآخرة'.
نصيحة للطلاب: ابدؤوا بالنية، واصبروا على المشقة
فيا أبناءنا، لا تستعجلوا الثمر؛ فلكل غرسٍ أوان، ولكل مجتهد نصيب. من صدق مع الله صدقه الله، ومن صبر على طلب العلم أكرمه الله برفعة الدنيا وثواب الآخرة.
جددوا نيتكم قبل أن تفتحوا كتبكم؛ فالنّية الصالحة تحوّل العادة إلى عبادة، وتجعل ساعات الدراسة والمذاكرة في ميزان الحسنات. انووا بعلمكم أن ترفعوا الجهل عن أنفسكم، وأن تنفعوا أمتكم، وأن تكونوا أيدٍ تبني، وعقولاً تبدع، وقلوباً تخشى الله. وتذكروا أن التفوق لا يبدأ يوم الاختبار، بل يبدأ من أول يوم، من حسن الاستماع، وتنظيم الوقت، والمراجعة المستمرة، والابتعاد عن التسويف والكسل. لا تقولوا: سأبدأ غداً؛ فمن أضاع يومه أضاع جزءاً من عمره، ومن جمع القليل إلى القليل اجتمع له الكثير.
المعلم: صانع الأجيال وقبس النور
ويا أيها المعلم، إن بين يديك عقولاً تُبنى ونفوساً تُربى ومواهب تنتظر من يكتشفها. لا تكن ناقلاً للمعلومة فحسب، فقد ينسى الطالب ما علمته، لكنه قلّما ينسى كيف عاملته. كن معلماً بانيًا للإنسان، فرب كلمة منك قد تفتح لطالب باب الأمل، وتشجيع صادق قد يصنع متفوقاً. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرضين، حتى النملة في جحرها وحتى الحوت، ليصلون على معلم الناس الخير'. فهنيئاً لمن علّم خيراً، وغرس فضيلة، وأحيا همّة، وكان قدوة في علمه وخلقه وأمانته.
الأسرة: المدرسة الأولى والراعية الأمينة
ويأتي دور الأسرة، فالبيت هو المدرسة الأولى، والأبوان هما القدوة الأقرب. أعينوا أبناءكم على تنظيم أوقاتهم، وأبعدوا عنهم ما يشّتتهم، وتابعوهم بحكمة، ولا تجعلوا الدراسة صراعاً يومياً وتهديداً مستمراً؛ فالبيت المليء بالتشجيع يخرج نفساً واثقة، والبيت المليء بالتحقير يورث نفساً منكسرة.
لا تقارنوا أبناءكم بغيرهم؛ فالله قسم المواهب كما قسم الأرزاق، ولكن قارنوا اليوم بالأمس، وانظروا هل تقدموا أم تأخروا؟ فإن تقدموا فشجعوهم، وإن تأخروا فخذوا بأيديهم وعالجوا ضعفهم بالرفق والحكمة. وتذكروا أن النجاح ليس صورة واحدة ولا طريقاً واحداً؛ فكم من طالب تأخر في بداياته، ثم فتح الله عليه في نهاياته، وكم من متفوق في دراسته لم يحسن الانتفاع بعلمه.
خاتمة: العلم عبادة وعمارة
إن بناء الأجيال مسؤولية مشتركة، يبدأها البيت، وترعاها المدرسة، ويحميها المجتمع، وتُباركها النية الصالحة والقيم الإيمانية، ويُثمرها دعاء الوالدين. فلنعلم أبناءنا أن الشهادة وسيلة وليست غاية، وأن الوظيفة طريق وليست نهاية، وأن العلم في الإسلام عبادة يتقرّب بها إلى الله، وعمارة للأرض ورحمة للخلق. ومن أحسن نيته بارك الله في علمه ونفع به نفسه وأمته.
اللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وهدىً وتقى، وارزق أبناءنا وبناتنا نية صالحة، وهمة عالية، وفهماً صائباً، وعملاً صالحاً، إنك سميع الدعاء












































