اخبار الاردن
موقع كل يوم -جو٢٤
نشر بتاريخ: ٥ أب ٢٠٢٥
التجويع.. وسلاح المقاومة.. والرخاصة السياسيّة! #عاجل
كتب كمال ميرزا -
ابتزاز رخيص أصبح يُمارس بوقاحة عجيبة مؤخراً، وهو مطالبة فصائل المقاومة الفلسطينيّة بالتنازل عن سلاحها مقابل توقّف العدو الصهيونيّ عن استخدامه المُمنهج لسلاح التجويع ضدّ أهالي غزّة!
بالنسبة لعدو وضيع مثل الكيان الصهيونيّ ومن خلفه أمريكا والغرب، نستطيع أن نفهم لماذا يلجأ إلى مثل هذا الابتزاز الرخيص، فتاريخ هذا العدو برمّته هو تاريخ من الرخاصة والوضاعة والوحشية والإجرام!
المؤسف، أنّ هناك تقارير متداولة تنسب هذه المطالبات بنزع سلاح المقاومة الفلسطينيّة إلى أنظمة عربيّة بعينها، دون أن يصدر عن هذه الأنظمة في حدود علمي لغاية الآن ما ينفي فحوى هذه التقارير.
ولنتذكّر هنا أنّنا نتحدّث عن ذات الأنظمة التي ما تزال ترفض بعناد بعد حوالي (670) يوماً من حرب 'الإبادة والتهجير' الاعتراف بفصائل المقاومة الفلسطينيّة كحركات تحرّر وطنيّ مشروعة، وتصرّ على الاحتفاظ بمعاهداتها واتفاقياتها مع الكيان الصهيونيّ كما هي دون إلغاء أو تجميد رغماً عن إرادة شعوبها، وتزاول علاقاتها الدبلوماسيّة وتنسيقها الأمنيّ وتبادلها التجاريّ وحركة المسافرين مع العدو وكأنّ شيئاً لم يكن!
أكثر ما يستثير الاستغراب في المطالبات العربيّة بنزع سلاح المقاومة الفلسطينيّة هو التوقيت: لماذا الآن؟
إذا كانت الأنظمة العربيّة المعنيّة ترى أنّ هذا هو الإجراء الأسلم من أجل 'سدّ الذرائع' أمام العدو، وحقن دماء أهالي غزّة، والحفاظ على أرواحهم وممتلكاتهم ومكتسباتهم، وصون حقوقهم وحظوظهم بإنشاء دولتهم الوطنيّة على ترابهم الوطنيّ في مواجهة مخطّطات التهجير وتصفية القضيّة.. فلماذا لم تطرح هذه الأنظمة تصوّرها هذا منذ اليوم الأول؟!
قد يجادل أحدهم ويقول إنّ فصائل المقاومة التي كانت ما تزال تحتفظ بقدراتها وعنفوانها، ومن خلفها الجماهير المتعطّشة والمنتشية بـ 'طوفان الأقصى'.. ما كانوا ليوافقوا، وكانوا سيرفضون حتماً مثل هذا الطرح ويستنكرونه!
لكن السؤال هنا ليس عن نظرة المقاومة أو الناس للمسألة، المقاومة والناس كانوا رافضين وما يزالون رافضين وسيبقون رافضين رغم كلّ شيء.. السؤال عن نظرة الأنظمة العربيّة وموقفها: إذا كانت هذه الأنظمة ترى أنّ هذا الإجراء هو الأنسب فلماذا لم تُفصح عن 'قناعاتها' سوى الآن؟!
هل كانت الأنظمة العربيّة تتعشّم أن تقوم المقاومة بالوكالة بما عجزت عنه هي من حيث الوقوف في وجه العدو الصهيونيّ وماكينة حربه، والتنكيل به، وإيلامه، وإفقاده توازنه، و'تهزيئه'، وتوجيه ضربة إلى رأسه تجعله يستفيق قليلاً، وتجبره على التخفيف من استقوائه وعنجهيته في تعامله مع الجميع حتى مع أصدقائه وحلفائه العرب؟!
حسناً، في هذه الحالة كان يجب دعم فصائل المقاومة لكي تستمر في تقديم هذه الخدمة الجليلة للأنظمة العربيّة وميزان القوى في المنطقة.. لا أن يتم التنصّل منها ومن حاضنتها الشعبيّة، وكشف ظهرهما، والضحك على لحاهما بدبلوماسيّات ركيكة، وبمسرحيات إغاثيّة ومساعدات إنسانيّة لا تسمن ولا تغني من جوع!
أم أنّ العكس هو الصحيح، الأنظمة العربيّة يطيب لها التخلص من المقاومة وسلاحها وحاضنتها، بل هي تريد ذلك، لذا فقد سكتت طوال هذه المدة، وأحجمت عن الإفصاح صراحةً عن مكنونات صدرها لكي يأخذ العدو فرصته كاملةً، ويتاح له المجال كاملاً لإنجاز 'المهمّة' المطلوبة، وتدمير مقّدرات المقاومة، واستنزاف مواردها، والتخلّص من قياداتها، وابتزاز حاضنتها الشعبيّة وإيصالها إلى حافة اليأس والقنوط؟!
في الحالتين هذه 'رخاصة' سياسيّة منقطعة النظير، وهذا خذلان لغزّة وتواطؤ مع العدو، حتى وإن اعتبر أصحاب هذا السلوك سلوكهم قمة الحنكة والدهاء بحجّة مصطلحات رنّانة ومسمّيات برّاقة مثل 'الواقعيّة السياسيّة' و'المصلحة الوطنيّة'!
لماذا لا تكون الأنظمة العربيّة ذكيّة ومحنّكة إلّا على شعوبها وعلى بعضعا البعض؟!
السؤال الأهم: ماذا لو وافقت المقاومة الفلسطينيّة بالفعل على التنازل عن سلاحها، مَن الذي سيمنحها هي وأهالي غزّة الضمانات اللازمة؟!
أمريكا هي التي ستضمن؟! أم الأمم المتحدة؟! أم ذات الأنظمة العربيّة التي تتواطأ ضدّ المقاومة وضدّ نفسها؟!
مثل هذه الضمانات وأمثال هؤلاء الضامنين يصدق فيهم المثل الشعبيّ القائل: 'يا طالب الدبس من ..... النمس'، أو بصيغة أكثر تلطيفاً: 'إلي بجرّب المجرّب عقله مخرّب'!
سلاح المقاومة هو الضمانة الوحيدة كما أثبت الواقع العمليّ، وأهالي غزّة برغم الجوع والمعاناة والدمار هم أكثر مَن يعون هذه الحقيقة، وأي مساعٍ بخلاف ذلك من أجل تسليم سلاح المقاومة والتخلّص منه هي مساعٍ مشبوهة ومتواطئة وعميلة أدرك أصحابها ذلك أم لم يدركوا!
السؤال الأهم من جميع ما تقدّم: في حال تمّ نزع سلاح المقاومة الفلسطينيّة بالفعل (وسلاح المقاومة عموماً في المنطقة)، ما هي الضمانات التي تمتلكها الأنظمة العربيّة كيلا تكون هي ودولها وجيوشها التالية ضمن قائمة أولويّات العدو الصهيو-أمريكيّ؟!
مفارقة عجيبة أنّ الأنظمة العربيّة التي تطالب المقاومة بالاستسلام وتسليم سلاحها.. هي عمليّاً أكبر المستفيدين من صمود المقاومة واستمرارها واستمرار سلاحها!