اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٣٠ تشرين الثاني ٢٠٢٥
ما كان للقوى الدولية التي توافقت على اتفاقيات سايكس بيكو وتوابعها، ونفذتها في منطقتنا، وما زالت تحمي تبعاتها منذ أكثر من قرن، أن تفعل ذلك لولا شعورها بقدرتها على ذلك؛ ولولا امتلاكها قوة كافية، تمكّنت بفعلها من السيطرة على الكيانات التي أحدثتها تحت أسماء دول ما زالت تعاني من الأزمات والصراعات البينية، وذلك نتيجة تراكمات السياسات الاستعمارية من ناحية، وإخفاقات السلطات السياسية المحلية، خاصة العسكرية منها، في مجال بناء مجتمعات متماسكة، ودول قادرة على طمأنة جميع مواطنيها من ناحية ثانية.
وما نشهده اليوم في الواقع السوري هو نموذج من هذه الدول المأزومة؛ الدول التي لم تتمكّن بعد من بلوغ الاستقرار المجتمعي، والتوازن السياسي اللذين لا يمكن الاستغناء عنهما في أي توجه جاد نحو بناء دولة حقيقية، دولة يكون فضاؤها العام مفتوحاً أمام سائر مواطنيها، وتضمن قوانينها إمكانية مشاركة الجميع، من خلال الهيئات والمؤسسات الرسمية والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، في الحياة السياسية والمؤسسات الإعلامية والثقافية والمعرفية والاقتصادية وغيرها.
ومن أبرز مظاهر الأزمة التي نعيشها راهناً في سوريا هو أننا لم نتمكن بعد من التوافق على هوية وطنية جامعة للبلد، هوية تُشعر سائر السوريين من جميع الانتماءات المجتمعية والثقافية والتوجهات السياسية بأنهم يعيشون في وطن يخصهم جميعاً، وفي دولة تقف على مسافة واحدة من سائر مواطنيها، وتطمئنهم جميعاً. ما زلنا نتعامل في ما بيننا بعقلية «نحن الأخيار» و«هم الأشرار». نحن «الأصل» وهم «الدخلاء». ننفخ في عصبيات دينية ومذهبية وقومية وعشائرية، وحتى مناطقية محلية. ما زالت النزعة الماضوية هي التي تتحكّم في تفسيراتنا وأحكامنا وسلوكياتنا مع الآخرين ومع ذواتنا. نتجاهل الواقع الملموس بتنوعه وتعقيداته وحساسياته وتحدّياته. ما زال بعضنا يرى أن الحل الأمثل مع الآخر المختلف هو بالتهميش والإبعاد، وحتى بالاجتثاث إذا ما كان ذلك ممكناً.
نتجاهل أن سوريا كانت قبل استقلالها على مدى نحو 400 عام جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، وأن مواطنيها كانوا من حملة الجنسية العثمانية، ولم تنص قوانين تلك الدولة على من هو الأصل ومن هو المهاجر، وتمكّن السوريون بفعل وعيهم الوطني، والرغبة في العيش المشترك من أحباط محاولات الفرنسيين العديدة لإحداث شروخ بينهم، بل وتقسيمهم ضمن مشاريع الدويلات التي أعلنوها.
وقد تمكنت حكومات الاستقلال الأولى من إدارة التنوع السوري بصورة مقبولة، رغم معاناتها لضغوط كبيرة من جانب القوميين والإسلاميين، ولكنها لم تتمكّن من الثبات أمام نزعة التعطش للسلطة من جانب العسكر الذين عملوا على رفع الشعارات القوموية، وذلك لقطع الطريق على خصومهم الإسلامويين.
وما يحدث راهناً في سوريا لا يوحي حتى الآن بكل أسف بما يفيد بأننا قد تعلمنا من تجاربنا خلال الـ100 سنة الأخيرة. بل يؤكد أننا لم نصل بعد إلى قناعة راسخة بأهمية المشروع الوطني السوري العام الجامع الذي من شأنه أن يطمئن الجميع.
سوريا بتركيبتها المجتمعية وموقعها الجيوسياسي، لا تتحمّل التعصّب بكل أشكاله. فهي لا تتحمّل التعصّب الديني والمذهبي ولا القومي والأيديولوجي، وأي خطاب يثير هذه الحساسيات لا يخدم الوحدة الوطنية من بعيد أو قريب، بل يضع هذه الوحدة في مهبّ الريح. وما ينقذنا من آفة التعصب هو الإقرار الدستوري بالخصوصيات وعدم التمييز، والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات.
وفي هذا السياق، لا بد من التوقف عند التوترات التي سادت في منطقة حمص على إثر اغتيال شخص وزوجته في ظروف غامضة، وترافقت تلك التواترات مع سرديات اتهامية متبادلة. وتجدر الإشارة أيضاً في الوقت ذاته إلى ما أثارته المظاهرات والاعتصامات التي شهدتها مناطق عديدة في محافظتي اللاذقية وطرطوس، وامتداداتها في حمص وحماة، من نقاشات ومماحكات كثيرة، ومواقف متعارضة بين السوريين على منصات التواصل وعبر وسائل الإعلام، خاصة من جهة التقييمات التي كانت بخصوص تعامل الأجهزة الأمنية مع ما حصل. فمنهم من وجد في سلوكية الأجهزة المعنية تحوّلاً نوعياً لافتاً في الاتجاه الإيجابي، يمكن البناء عليه. في حين أن قسماً آخر اعتبرها وجهاً من أوجه حملة العلاقات العامة التي تسعى من خلالها السلطات السورية الجديدة تسويق نفسها لدى المجتمع الدولي، بهدف تعزيز شرعيتها الخارجية لضمان شرعيتها الداخلية.
ولعل الأمر الجدير بالانتباه والاهتمام في هذا المجال، هو ما جاء في كلمة الرئيس الشرع التي وجهها عن بعد إلى الاجتماع الموسع في اللاذقية الذي انعقد بعد مظاهرات ووقفات الساحل. فقد أبدى في هذه الكلمة تفهمه لمطالب الناس رغم تشكيكه في بعضها الآخر. وبدا منفتحاً لمناقشة فكرة اللامركزية وحتى الفدرالية، عبر تحديد أولي لاختصاصات المركز. كما كان من المهم تأكيد الشرع أهمية التنوع السوري، ودعوته إلى المحافظة على الوحدة الوطنية، وبيانه أهمية منطقة الساحل ودورها في التنمية الاقتصادية. هذا مع أهمية الأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن المدخل لأي تنمية اقتصادية أو عمرانية أو علمية بحثية وغيرها هي التنمية المجتمعية التي تتحقق من خلال الإقرار بالتنوع، وحمايته بالقوانين والإجراءات الأمنية، وتعزيز ثقافة احترام الآخر المختلف في المناهج الدراسية، ووسائل الإعلام، وعبر منظمات المجتمع المدني.
الوضع السوري الداخلي لن يعالج بالمجاملات والوعود التبشيرية وحدها؛ فهو يستوجب معالجة جذرية متكاملة، تضع حداً لحالة القلق والترقب التي يعيشها السوريون، ولقطع الطريق أمام التوترات والحوادث الفردية، والتراخي مع المحرضين في المساجد وعلى منصات التواصل الاجتماعي، والنافخين في رماد الأحقاد، وأرباب الفزعات التي تتناقض بالمطلق مع مفهوم الدولة التي من المفروض أن تكون السياج المنيع لحماية جميع السوريين من دون أي استثناء. نحن في حاجة ماسة إلى اعتماد خطة وطنية متكاملة لوضع الحلول الواقعية الممكنة لمختلف القضايا.
هناك مجتمعات كثيرة تعرضت لما نعاني منه راهناً في سوريا، مع فوارق هنا أو هناك، يمكننا الاستفادة من تجاربها ضمن حدود ما يناسب الحالة السورية. لدينا تجارب كل من جنوب أفريقيا، وراوندا، وفيتنام، وحتى العراق ولبنان وغيرها من الدول. وهذا ليس معناه أن نقوم بتقليد حرفي لهذه التجربة أو تلك؛ وإنما الفكرة هي أن نستفيد من هذه التجارب وغيرها، لنستلهم من إيجابياتها، ونتوخى حذر الوقوع في براثين أخطائها وشرورها.
وفي الحالة السورية، هناك حاجة ضرورية قصوى للبدء بإجراءات عمليات العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية بصورة متلازمة متوازية، مع الأخذ في الحسبان قبل كل شيء بأن هذا الأمر لن يتحقق من خلال اللجان المستعجلة من نوعية تلك التي شكلتها السلطة السورية من جانب واحد. فهذه اللجان لم تتمكن حتى الآن من توفير شروط الثقة المتبادلة بين مختلف الفاعلين، سواء في الموالين أو المنتقدين والمعارضين ضمن اللوحة السورية العامة.
نحن في حاجة إلى تشكيل لجان فرعية في أحياء المدن والبلدات والقرى تشرف عليها لجنة وطنية عامة، (كانت إشارة الرئيس الشرع إلى ضرورة الاهتمام بلجان الأحياء في منطقة الساحل مهمة في هذا المجال). لجان تضم أناساً لديهم الخبرة والمصداقية، والقدرة على التواصل مع الجميع. ويمكن لهؤلاء بناء على المعلومات التي لديهم، والمعلومات والوثائق التي يمكن الوصول إليها من خلال المنظمات الحقوقية المحلية والعربية والدولية، والجهات الرسمية المعنية، تنظيم قائمة بأسماء المتهمين المطلوبين في قضية الارتكابات من العلويين ومن سائر المكوّنات المجتمعية السورية الأخرى. فسلطة آل الأسد لم تستفد فقط من أفراد من الطائفة العلوية وحدها، بل من جميع المكونات السورية.
بعد هذه الخطوة، يخضع المتهمون لمحاكمات عادلة كاملة الأوصاف والشروط، تصدر أحكامها بناء على القوانين، وتحدد إجراءات التنفيذ، المناسبة التي ستفرض عليهم، بدءاً من خطوة الاعتراف بالجريمة والاعتذار، وانتهاء بأشد العقوبات، مع عدم إغلاق الأبواب أمام امكانية المصالحة والعفو وحتى النفي، وكل ذلك بموجب ما يقرّه القانون الجنائي السوري الذي لا بد أن تنفذ أحكامه بحزم بعد اكتمال الشروط. وهكذا نتحرر من نزوات أصحاب عقلية العقوبات الجماعية التي غالباً ما تكون متفاعلة مع الفتاوى المتزمتة المتطرفة.
وفي موازاة هذه العملية، لا بدّ من البدء بعملية المصالحة على مستوى المجتمعات المحلية، لتكون مدخلاً لمصالحة وطنية شاملة، تفتح الأبواب والآفاق أمام إمكانية تحسين قواعد العيش المشترك بين سائر السوريين، وهذا يتحقق عبر احترام الخصوصيات والإقرار بالحقوق؛ والقطع النهائي مع الذهنية التمييزية الثأرية التي لن تبني مجتمعاً متماسكاً ولا دولة موحّدة، بل ستؤدي في حال استمراريتها إلى تفجير الاثنين من الداخل.
تماسك النسيج المجتمعي الوطني هو الشرط اللازم الذي لا استغناء عنه لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على السوريين والسيادة السورية؛ كما أنه الشرط الضروري والكافي لإعادة العمران، بل وتطويره وازدهاره.
*كاتب وأكاديمي سوري












































