اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة رم للأنباء
نشر بتاريخ: ٣١ أب ٢٠٢٦
رم - أ.د طارق عبد القادر المجاليلا تفتح ثلاجة ذكرياتك الذكريات كالطاقة التي لا تفنى ولا تُستحدث من العدم، بل تتحول من شكل إلى آخر، وهي صدى الأيام والسنين في مرحلة من مراحل العمر، التي تشكل هويتنا وحاضرنا، وتختزن مشاعرنا ولحظاتنا، وشريط لحظاتنا وتفاصيل حياتِنا بالأبيض والأسود. ولقد عرضَ كثيرٌ من مشاهير العلم والأدب والسياسة وغيرهم نتفا من سيرهم الذاتية، أو الغيريّة، لكنّهم لم يجرءوا أبدًا على إفراغ ما في الذاكرة من أحداث، بل بقيت مجمدةً في ثلاجات ذكرياتهم لأسباب دينية أو اجتماعية أو سياسية أو لحرجِ ما ، وإنْ كان الكتاب الغربيون أكثر واقعية وجرأة من أدبائنا من هذه الناحية؛ لأننا قرأنا وقائع حقيقيّة صادمة أحيانا، وأحداثا صادقة ووقفنا أمام مرآةِ صافية لسيرهم الذاتية، وتطور شخصياتهم عبر الزمن، مع اعترافاتٍ شكّلت النموذج الحديث للبوح الصّريح، والمشاعر الفردية، والتركيز على الشفافية دون إخفاء للعيوب، ومنها على سبيل المثال ، اعترافات (جان جاك روسو) في القرن الثامن عشر، نظرا لكشفها الصّريح وغير المسبوق عن شخصيته ورغباته المخفية، والأخطاء الاخلاقية التي وقع فيها دون تجميل، أو ما نجده في رواية (البحث عن الزمن المفقود) لمارسيل بوست عبر المثيرات الحسية ورصد أدق التغيرات الاجتماعية والنفسيّة في المجتمع الفرنسي. أما السيرة الذاتية عند العرب فنوع مختلف تماما كما في (الأيام) لطه حسين، وإن كان تركيزها على مراحل طفولته وتعليمه وسفره إلى فرنسا، إلّا أنّها أخفت الكثير من سيرته، فبقيت في ثلاجة ذكرياته، وهذا ما فعله العقاد في سيرته الذاتية (أنا) غير أن محمد شكري في(الخبز الحافي) كان أكثر جرأة حين استعرض بأسلوب جريء وواقعي، قصة حياته الصعبة، وطفولته الجائعة، وهجرته، وبما قدّم لنا من صور مؤلمة لعالم الجريمة والصعلكة والعنف الأسري والاستغلال، وما كان له، بتقديري، أن يُقدّم هذا النوع من أدب الاعتراف إلّا لأنّه كتبها بنفَسٍ غربيّ وثقافة ولغة مغايرة للعربية، ثم تُرجمت إليها.وإذا كان لكتاب السير الذاتية من تقنيات وأدوات كتابية تخرجهم أحيانا من الحرج الاجتماعي عن طريق مزج السيرة بالخيال تجنبا للحرج ، فهل بمقدور عامة الناس وكبار السن خاصة الذين يروون أجزاء من سيرهم وأخبارهم ومغامراتهم الطائشة وقصصهم المخجلة في خريف العمر، لأبنائهم وأحفادهم ليقال عن أحدهم إنه( قطاع ضرمة) ! رواية السيرة الذاتية الشفاهية عند العامّة واستعراض بطولات الماضي وأكاذيبه أحيانا قد تستقبلها الناشئة استقبالا مؤذيا في مجتمعنا العربي والإسلامي ذي الثقافة المختلفة المبنية على روابط مجتمعية ودينية وأخلاقية تسيء لكبار السّن وسيرتهم خاصة، ونتعلم منه نحن بأن لا نبوح بما في دواخلنا من أسرار وممّا عَلِق من أوشال الذكريات، وطحالب القصص والحكايات المفتعلة وتضخيم الذات ، واستدعاء الماضي بتفاصيله التي تسبب حرجا ما، عن قصد أو عن غير قصد، بل يجب أن تبقى هذه الجوانب المخفية والمستترة طيّ النسيان، وأن نبقيها في ثلاجة الذكرى، لأنّها من الممكن، إن خرجت دون وعيّ ،لأبناء هذا العصر فإنّها حتما ستتحلّل وتتعفن كقطعة لحم انتهت مدة صلاحيتها، ولم تعد صالحة، لا للأكل ولا لرائحتها العفنة.اتركوا ذكرياتِكم في ثلاجاتكم، ولا تحاولوا نبشها ؛ لأنّ الماضي نبعٌ لنتعلمَ منه، لا بئر لنقع فيه، وإنّ أفضل طريقة لنسيان الماضي هي بتمزيق صفحة منه في كلّ يوم، وأن نركز على الحاضر، لأنّ من كتم سرّه ملك أمره.












































