اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة رم للأنباء
نشر بتاريخ: ١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
رم - بقلم الدكتورة ميس حياصات
إذا كانت حكاية المرأة الأردنية لم تُروَ كاملة بعد، فهل تكمن المسألة فيما بقي منها ولم يُروَ، أم فيما وصل إلينا منها، وكيف كُتب ورُوي؟
في المقال السابق، بدأنا من حكاية الهوية الوطنية، من البيت الذي تشكّلت فيه القيم الأولى، ومن المرأة التي حملت كثيرًا من ملامح هذه الهوية ونقلتها من جيل إلى جيل. لكن العودة إلى الماضي تفتح أمامنا سؤالًا آخر: حين نقرأ حكاية وطننا، كم نعرف فعلًا عن النساء اللواتي عشنه، وكم نعرف فقط عمّا كُتب عنهن؟
لنتأمل صندوقًا قديمًا في بيت أردني، بقي سنوات طويلة بين مقتنيات الأسرة. داخله صورة بالأبيض والأسود، ورسالة بخط اليد، وربما دفتر مدرسي أو ورقة تحمل اسمًا وتوقيعًا. قد تحفظ هذه الأشياء جانبًا من حياة امرأة تعلّمت أو عملت أو واجهت ظروفًا لم تكن سهلة. وحين ترحل صاحبة الحكاية، قد تبقى الأوراق، لكن من يعرف قصتها؟ ومن يستطيع أن يقرأ ما وراء الصورة، أو يفهم ما الذي دفعها إلى كتابة تلك الرسالة، وما الذي كانت تعيشه حين دوّنت كلماتها؟
الصورة تحفظ لحظة، والرسالة تحفظ كلمات، والدفتر يسجل أثرًا من أيام مضت، لكن أيًّا منها لا يكشف وحده الحياة التي أحاطت به. فقد نعرف من الصورة من كان حاضرًا، ومن الرسالة ما كُتب، ومن الدفتر ما تعلّمته صاحبته، لكننا قد لا نعرف الظروف التي رافقت تلك اللحظات، ولا القرارات التي سبقتها، ولا ما تركته في حياتها. وهنا تتحول الوثيقة من أثر محفوظ إلى بداية البحث عن حياة كاملة وراءها.
وقد تبقى هذه الأشياء في الصندوق، فيما تتفرق الحكاية بين ذاكرة أمّ، ورواية جدة، وذكرى يحملها أحد الأبناء ولا يعرف كل تفاصيلها. ومع مرور السنوات، قد تضيع بعض التفاصيل، لا لأنها لم تكن مهمة، بل لأن أحدًا لم ينتبه إلى أنها تستحق أن تُحفظ. وهكذا ننتقل من ذاكرة الأسرة إلى سؤال أوسع: كم من حكايات النساء بقيت حاضرة في البيوت، ولم تجد طريقها إلى الذاكرة الوطنية المكتوبة؟ إن العودة إلى هذه التفاصيل لا تعني إضافة أسماء إلى صفحات التاريخ فحسب، بل محاولة فهم جوانب من حياة مجتمعنا لم تظهر صورتها كاملة في الروايات التي وصلتنا.
هنا تبدأ المسألة؛ فهناك فرق بين ما حدث، وما دُوّن عنه، وكيف رُوي. ليس كل ما عاشه الناس وصل إلى الورق، وليس كل ما وصل إلينا يكشف التجربة من جوانبها كلها. وبين الحدث وتوثيقه وروايته مسافة قد تتراجع فيها أسماء، وتغيب تفاصيل، وتبقى تجارب حاضرة في حياة المجتمع، لكنها لا تحظى بالمكان نفسه في ذاكرته المكتوبة.
فالسردية الوطنية ليست قائمة أسماء ولا تسلسلًا للأحداث، بل الطريقة التي نفهم بها أنفسنا حين ننظر إلى الماضي؛ من نذكر، وما التجارب التي نحفظها، وكيف نفسّر التحولات التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم. ومن هنا، فإن السؤال عن المرأة الأردنية لا يتوقف عند البحث عن اسمها في صفحات التاريخ، بل يمتد إلى حياتها نفسها: ماذا فعلت؟ ما الخيارات التي كانت متاحة أمامها؟ وكيف انعكس عملها وقراراتها على أسرتها ومجتمعها، حتى حين لم يكن أثرها موضع اهتمام أو توثيق؟
شهد الأردن تحولات في فرص التعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة، وكانت النساء جزءًا من هذه المسيرة، وإن اختلفت مواقعهن وظروفهن وما أتيح لكل واحدة منهن. وراء هذه التحولات نساء سلكن طرقًا جديدة، وأخريات واجهن قيودًا وصعوبات فرضتها ظروف زمانهن، ونساء أسهمن في حياة أسرهن ومجتمعاتهن من مواقع لم تكن تُعدّ آنذاك جديرة بالتسجيل. ولا تكفي معرفة التحولات وحدها لفهم أثرها؛ إذ يبقى السؤال عن النساء اللواتي عشنها، وكيف واجهنها، وما الذي تغيّر في حياتهن وحياة من حولهن.
تشكّلت الحركة النسائية الأردنية عبر محطات متتابعة عكست تطور حضور المرأة في الحياة العامة. فقد برزت جمعية التضامن النسائي الاجتماعي، ثم جمعية الاتحاد النسائي الأردني، وصولًا إلى اتحاد المرأة العربية الذي ترأسته إميلي بشارات، إحدى رائدات العمل النسائي في الأردن. وتنوعت جهود هذه المؤسسات بين العمل الاجتماعي والخيري والتوعية والمطالبة بحقوق المرأة، ومرّت مسيرتها بمحطات من التوقف والحل ثم استئناف النشاط. ولم تكن أهمية هذه المحطات في أسماء صاحباتها وحدها، بل في الجهود التي بذلتها النساء لتوسيع حضور المرأة والمطالبة بحقوقها في زمن لم تكن فيه هذه المسارات سهلة أو ممهدة.
لكن المؤسسات والقيادات والمحطات التاريخية لا تختصر الحكاية. فخلفها نساء عملن وتعلّمن ونظّمن الجهود وواجهن تحديات زمانهن. وخارج الأسماء المعروفة، كانت هناك معلمة تركت أثرها في أجيال، وممرضة خدمت الناس في ظروف صعبة، وامرأة عملت في الأرض وأسهمت في إعالة أسرتها، وأخرى أتقنت حرفة تعلّمتها من أمها، ونساء شاركن في أعمال اجتماعية لم يُحفظ منها إلا القليل. قد لا نعرف أسماء كثيرات منهن ولا تفاصيل حياتهن، لكن غيابهن عن السجلات لا يعني أنهن كنّ غائبات عن الحياة.
ولعلّ ما يجعل بعض هذه الحكايات عرضة للنسيان أن صاحباتها لم يعشنها باعتبارها أحداثًا تاريخية. كانت المرأة تؤدي عملها، وتتخذ قراراتها، وتواجه ظروف يومها، وتحاول أن تمضي بأسرتها وحياتها إلى الأمام. لم تكن تنتظر أن يكتب أحد عنها، وربما لم يخطر ببالها أن ما تفعله سيصبح يومًا شاهدًا على مرحلة من تاريخ الأردن. فما يبدو عاديًا لمن عاشه قد يحمل معنى مختلفًا لمن يأتي بعده، حين يبحث عن تفاصيل لا تكشفها القرارات الرسمية أو الأرقام وحدها.
وحين نفتّش في ما وصل إلينا من الماضي، يبرز سؤال آخر: كم من امرأة ظهر اسمها في خبر أو حضرت مناسبة سُجّلت في الصحافة، من دون أن تُحفظ تفاصيل حياتها؟ ماذا عن يومها العادي، والعمل الذي قامت به، والظروف التي واجهتها، والأثر الذي تركته في حياة من حولها؟ لم تكن وسائل الإعلام والتوثيق في تلك الأزمنة متاحة كما هي اليوم؛ فكثير من تجارب النساء بقي في حدود الأسرة والقرية والمدينة، ولم يجد طريقه إلى الصحافة أو السجلات التي تحفظه للأجيال اللاحقة. وليس كل ما لم يُكتب قد غاب عن الحياة، لكن ما لم يُحفظ منه إلا القليل يصبح أكثر عرضة للنسيان. ومع مرور السنين، ترحل صاحبات الحكايات، وقد تبقى بعض ملامح تجاربهن في ذاكرة الأبناء والأحفاد، فيما تتلاشى تفاصيل أخرى كان يمكن أن تساعدنا على فهم حياة النساء في ذلك الزمن.
لكن البحث في هذه الحكايات لا يعني أن نملأ الفراغ بروايات جميلة لا نعرف مدى دقتها، ولا أن نفترض أن كل ما لم يُكتب قد غُيّب عمدًا. فالذاكرة قد تفتح بابًا للبحث، والصورة قد تقود إلى معرفة مكان أو مناسبة، والرسالة قد تكشف جانبًا من علاقة أو تجربة، لكن فهم هذه الشواهد يحتاج إلى التحقق منها ووضعها في سياقها. فليس كل ما يُروى حقيقة تاريخية ثابتة، كما أن غياب الوثيقة لا يكفي وحده لنفي تجربة عاشها الناس.
لهذا تكتسب العودة إلى آثار تلك الحياة أهميتها: صور العائلات، والرسائل، والدفاتر، والسجلات، والشهادات التي تناقلتها الأمهات والجدات. فقد تحمل هذه الشواهد ما لا نجده في الوثائق الرسمية، أو تساعدنا على فهم كيف انعكس حدث نعرفه على حياة النساء. وربما تكشف رسالة قديمة تفصيلًا نسيه الجميع، أو تعيد صورة سؤالًا لم يخطر لأحد من قبل، أو تضيء شهادة عائلية جانبًا من تجربة لم تُروَ كاملة. فالتوثيق ليس جمعًا للأوراق والصور فحسب، بل محاولة لفهم ما عاشه الناس قبل أن تفقد الذاكرة قدرتها على روايته، ولئلا يصبح ما لم يُكتب في زمنه بعيدًا عن المعرفة في زمن يأتي بعده.
ولا يتحقق إنصاف المرأة بأن نستبدل صورة ناقصة بصورة مثالية، أو أن نجعل كل امرأة بطلة في رواية واحدة. فالمرأة الأردنية لم تعش تجربة واحدة؛ اختلفت ظروف النساء باختلاف الأجيال والبيئات والفرص والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية. في تجاربهن نجاح وتعثر، ومبادرة وتردد، وأبواب فُتحت وأخرى بقيت مغلقة. والاقتراب من هذه الاختلافات لا ينتقص من قيمة الحكاية، بل يجعلها أكثر صدقًا، ويمنحنا فرصة لفهم ما عاشته النساء فعلًا، لا ما نريد أن نراه فيهن.
فالمرأة الأردنية لم تكن بعيدة عن التحولات التي شهدها مجتمعها؛ عاشت تفاصيلها، وأسهمت في تشكيلها، وحملت جانبًا من ذاكرتها بين الأجيال. كانت شاهدة على ما تغيّر، وصانعة لجزء مما حدث، وراوية لتجارب امتد أثر بعضها من حياة الأسرة إلى المجتمع. ومن هنا، لا يعود السؤال مقتصرًا على ما نعرفه عن النساء، بل يمتد إلى ما يمكن أن تكشفه حكاياتهن إذا قرأناها في ضوء التحولات التي عشنها وأسهمن فيها.
كما أن كتابة حكاية المرأة الأردنية لا تعني وضعها في مواجهة حكاية الرجل؛ فالأردن تشكّل بتجارب الأردنيين والأردنيات معًا، داخل الأسرة والمجتمع وفي مختلف مراحل التحول. إنما تعني أن نقرأ الصورة بأجزائها المختلفة، وأن ننتبه إلى التجارب التي لم تأخذ مكانها في الرواية المكتوبة، وأن نفهم كيف أسهمت النساء في حياة مجتمعهن، حتى حين لم يُنظر إلى أدوارهن باعتبارها جزءًا يستحق الحفظ والتوثيق.
إن استكمال حكاية المرأة الأردنية لا يعني إعادة كتابة الماضي لإثبات فكرة مسبقة، بل العودة إلى ما وصل إلينا، وفحصه، وقراءته في ضوء ما قد تكشفه مصادر أخرى. إنه يبدأ بالسؤال، ويمضي عبر البحث والتوثيق، ويتطلب أن نقرأ ما وصل إلينا بعين مفتوحة لما قد تكشفه شواهد جديدة. فالتاريخ لا يصبح أكثر اكتمالًا بكثرة الأسماء وحدها، بل بقدرتنا على فهم التجارب التي تقف وراءها، وعلى وصل ما دُوّن بما عاشه الناس، وما بقيت شواهده تنتظر من يبحث عنها.
وربما تقودنا قراءة حكاية المرأة الأردنية إلى ما هو أبعد من الأسماء والمحطات التي حفظها التاريخ؛ إلى قيم تشكّلت عبر السنين، وتوارثتها الأجيال، وظلّت حاضرة في طريقة تعامل النساء مع الحياة ومن حولهن. قيم لا تحتاج إلى مناسبة لتظهر، ولا إلى كلمات لتثبت وجودها، بل تكشف عن نفسها حين يواجه الإنسان موقفًا يتجاوز فيه حدود اهتمامه بنفسه، ويرى في الآخرين مسؤولية لا يمكن تجاهلها.
فما الذي جعل هذه القيم تسكن حكاية المرأة الأردنية، وتنتقل من جيل إلى جيل، حتى غدت حاضرة في مواقفها قبل كلماتها؟
وكيف تحوّلت هذه القيم إلى مواقف حيّة تستحق أن تُروى، وأن تبقى في ذاكرة الوطن؟












































