اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦
لم تعد التحولات العلمية تُقاس بما تنتجه المختبرات من اكتشافات فحسب، بل بما تحدثه من تغيير في موقع المجتمعات على خريطة المستقبل. ففي زمن تتقدم فيه علوم الببتايدات وتقنيات النانو والهندسة الجزيئية، يتجه الطب نحو فهم أعمق للآليات الحيوية التي تحكم وظائف الجسد، وتفتح آفاقًا جديدة للوقاية والعلاج والمحافظة على سنوات الحياة الصحية. وهنا لا تبدو «هندسة الحياة» مجرد تطور طبي، بل عنوانًا لتحول معرفي يعيد رسم الفارق بين المجتمعات المنتجة للمعرفة وتلك التي تكتفي باستهلاك نتائجها.
فالمجتمعات المعرفية الإنتاجية لم تعد تنتظر الاكتشاف حتى يصل إليها، وإنما تشارك في بناء أسبابه، وتطوير أدواته، وتوجيه تطبيقاته، وتحويله إلى قوة اقتصادية واستراتيجية. أما المجتمعات التاريخية المستهلكة، فإنها غالبًا ما تستقبل المنتج العلمي بعد اكتمال صناعته، لتصبح سوقًا لتطبيقاته وحاضنةً لنتائجه، تتعامل مع مسارات يرسمها الآخرون، دون امتلاك القدرة الكافية على التأثير في اتجاهاتها أو المشاركة في تحديد أولوياتها.
وتتسع الهوّة المعرفية بين المجتمعات حتى غدت ليست مجرد فارق في امتلاك التكنولوجيا على مستوى الدول، بل فجوة بين من ينتج المعرفة ومن يستهلكها، وبين من يمتلك أدوات تفسير التحولات وصناعة قراراتها، ومن يظل أسيرًا لنتائجها. ويبرز ملف الببتايدات مثالًا على ذلك؛ إذ أثار وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكي روبرت كينيدي الابن نقاشًا بشأن إتاحتها، بالتوازي مع تحركات تنظيمية لمراجعة القيود المفروضة على بعض أنواعها. فالقضية هنا لا تتعلق بمستحضرات طبية فحسب، بل بقدرة المنظومة العلمية على تحويل البحث إلى تشريع واستثمار وتطبيق، ضمن ضوابط السلامة والأدلة العلمية. وفي المقابل، تكشف هذه التحولات حجم الهوّة بين مجتمعات تنتج المعرفة وتشارك في رسم مساراتها، وأخرى لا يصلها منها إلا المنتج النهائي.
إن التحدي الحقيقي أمام المجتمعات العربية لا يكمن في متابعة هذه التحولات أو استيراد منتجاتها، وإنما في بناء مشروع معرفي قادر على استيعابها وتوطينها وتطويرها. فالمعرفة التي لا تتحول إلى بحث وإنتاج واستثمار تبقى محدودة الأثر في بناء القدرة الوطنية، كما أن التكنولوجيا التي لا تسندها بيئة علمية منتجة تظل أداة مستوردة، ترتبط شروط تطويرها وتكلفتها ومساراتها بمراكز المعرفة الخارجية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الرؤية التي يحملها 'الحسين ولي العهد' في تمكين الأردن من الانتقال نحو اقتصاد المعرفة، بما يستدعي ترجمة هذا التوجه إلى مشروع مؤسسي عبر تشكيل «مجلس الهندسة المعرفية»، ليكون إطارًا وطنيًا جامعًا يربط الجامعات بمراكز البحث العلمي والقطاعات الإنتاجية، ويوجه الاستثمار نحو التكنولوجيا الحيوية والعلوم المتقدمة، ويعمل على تحويل الكفاءات الأردنية من موقع الاستهلاك إلى فضاء الإنتاج والابتكار. فمثل هذا المجلس يمكن أن يشكل أداة عملية لتقليص الهوّة المعرفية، وتوحيد الجهود العلمية والاقتصادية ضمن رؤية تستثمر في الإنسان الأردني، وتمنح البحث العلمي مساره التطبيقي، وتفتح أمام الأردن فرصة التحول إلى حاضرة معرفية إقليمية، لا تكتفي باستقبال منجزات العلم، بل تسهم في تطويرها وتوطينها وتصدير خبراتها. وبذلك تصبح الهندسة المعرفية مسارًا لبناء القدرة الوطنية، وجسرًا يصل بين الرؤية الملكية للمستقبل وطموحات 'الحسن ولي العهد ' في تمكين الأجيال، وصولًا إلى أردن يمتلك مكانته بما ينتجه من معرفة، لا بما يستهلكه من منتجاتها.
وهنا تبرز ضرورة الانتقال من ثقافة التلقي إلى هندسة الإنتاج المعرفي، عبر ربط الجامعات بمراكز البحث والصناعات الدوائية والتكنولوجيا الحيوية، وتوجيه التمويل نحو الأولويات العلمية، وتأهيل الكفاءات القادرة على المشاركة في صناعة الاكتشاف، لا الاكتفاء بشرائه بعد اكتماله. فالمطلوب ليس أن نكون حاضرين في سوق المستقبل، بل أن نكون شركاء في صياغته، وأن نمتلك القدرة على تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية وصحية واستراتيجية.
إن الفارق بين المجتمعات التي تصنع الحاضر وتلك التي تستحضر تاريخها لا تصنعه الإمكانات وحدها، وإنما تحدده القدرة على تحويل المعرفة إلى قوة إنتاجية، والبحث إلى قرار، والتكنولوجيا إلى استقلال تنموي. فالمجتمع الذي لا ينتج معرفته يظل معرضًا لأن تُرسم له خياراته من الخارج، حتى عندما يمتلك مؤسسات القرار؛ لأن استقلال القرار لا يكتمل دون امتلاك أدوات المعرفة التي يستند إليها.
وهكذا تصبح «هندسة الحياة» اختبارًا لموقعنا في المستقبل، ويبرز التساؤل حول امتلاك القدرة على المشاركة في تفسير أسرار الحياة وتطوير أدوات التعامل معها، أم نبقى في موقع المستهلك الذي ينتظر ما تنتجه مراكز المعرفة العالمية؟ إن الهوّة بين الطرفين لا تُردم باستيراد التكنولوجيا، بل ببناء الإنسان والمؤسسة والبيئة التي تنتجها. فالمستقبل لن يكون لمن يستهلك المعرفة بأفضل صورة، بل لمن يمتلك القدرة على إنتاجها وتوجيهها وتحويلها إلى منفعة إنسانية وتنموية مستدامة.












































