اخبار اليمن
موقع كل يوم -المشهد العربي
نشر بتاريخ: ٢٠ أذار ٢٠٢٦
ظهر وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، في مؤتمر صحفي، وهو يقدم سردية الانحناء للنظام الإيراني، مقدماً جملة من النصائح لنظام، كان قد دخلت معه الرياض في معركة 'كسر عظم' في أواخر مارس 2015م، حين اختارت الأخيرة 'عدن والجنوب ساحة لتلك المعركة'.
كان الخطاب الديني هو وقود تلك الحرب التي لم تحقق المملكة الثرية أي نتائج مرجوة، ولا يزال الحوثيون –ذراع إيران– يسيطرون على شمال اليمن بالكامل، فيما يبدو أن السعودية اختارت التهدئة المكلفة اقتصاديا بدلا من الحرب المكلفة عسكريا واقتصاديا أيضاً.
تابع اليمنيون والجنوبيون تصريحات وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، وهو يحض إيران على اتباع نهج الإسلام في عدم التعدي على الآخرين، وخاصة الجيران إذا كانوا مسلمين، فيما بدت السخرية في سؤال: ماذا عن غير المسلمين؟، في حين بدت إشارة إلى الخطاب الديني لما يسمى بالوهابية السعودية في مواجهة الحوثيين الذين يُصنَّفون على أنهم “روافض وشيعة'.
وتحدث بن فرحان عن النظام الإيراني بقوله: “لا يريدون أن يفهموا الرسالة”، في إشارة إلى عدم الرد السعودي على الضربات الإيرانية، وأن عدم الفهم الإيراني، بحسب الرؤية السعودية، يتمثل في استمرار إرسال الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه السعودية ودول الخليج، أي أن بن فرحان يقدم رسائل للنظام الإيراني بوقف الحرب انطلاقا من موقف الأخوة والإسلام فقط.
تبدو التصريحات السعودية المتكررة، والرسائل غير الودية والانحناء أمام عاصفة الصواريخ الإيرانية، وكأنها تُقرأ بمعزل عن مواقف دول الخليج الأخرى، خاصة وأنها تلقت ضربات أكبر بكثير مقارنة بالعدد الضئيل من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت السعودية.
نفى بن فرحان تماماً وجود أي صراع لبلاده مع طهران، بدعوى أن السعودية ليست طرفاً في الصراع القائم، في إشارة إلى الضربة (الأمريكية – الإسرائيلية) التي دمرت المقدرات العسكرية الإيرانية وقتلت أبرز قادة النظام، أبرزهم علي خامنئي المرشد الأعلى وعلي لاريجاني وآخرين.
لكن لم يقل أي شيء عن حرب الـ'عقد وعام' في اليمن والتي لم تحدث أي استقرار بل جعلت من الحوثيين قوة إيرانية ضخمة في خاصرة المملكة.
قال بن فرحان إن “إيران كانت تنظر دائما إلى جيرانها ليس بروح الأخوة، ولا برغبة صادقة في التعايش والتعاون والبناء، وإنما بنظرة عدائية، تقوم على التصعيد والاستهداف متى ما دعت الحاجة، حتى في ظل الضغط على المجتمع الدولي”. وهذا هو أول تصريح يناقض تصريحات ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، الذي سبق له ورفض كل أشكال الحوار والتفاهم مع الإيرانيين، بدعوى أنه نظام قائم على أساس ديني مذهبي يرفض الآخر.
تصريحات أدلى بها ولي العهد السعودي والملك القادم تجاه إيران في مقابلة مع قناة سعودية حكومية، تساءل فيها بن سلمان: 'كيف يمكنني أن أتفاهم مع نظام لديه قناعة راسخة بأن نظامه قائم على أيديولوجية متطرفة، منصوص عليها في دستوره، ومذكورة في وصية الخميني، تقوم على أنه يجب أن يسيطر على المسلمين في العالم الإسلامي، وأن ينشر المذهب الجعفري الاثني عشري الخاص بهم في جميع أنحاء العالم الإسلامي حتى يظهر المهدي المنتظر؟”.
بن سلمان، الذي كان يحاول بخطابه هذا حشد المجتمعات السنية تجاه إيران، مصورا الصراع على أنه صراع مذهبي، وهو ما اتضح منذ بداية الحرب السعودية على اليمن في مارس 2015م، والتي جاءت بهدف محاربة الحوثيين بدعوى أنهم “شيعة موالون لإيران”.
بن سلمان زعم أن إيران –التي أعلنت يومها السيطرة على العاصمة العربية الرابعة “صنعاء”– تسعى للسيطرة على العالم الإسلامي باسم تهيئة بيئة خصبة لوصول المهدي المنتظر. فهل غيّر النظام الإيراني رأيه؟ أو كما قال بن سلمان: “هذا النظام لن يغير رأيه في يوم وليلة”؟ لكن على أي أساس تم الدخول في جولات تفاوض طويلة بين الرياض وطهران، بدأت في ظهران الجنوب العام 2016م، وتُوّجت في مارس 2023م باتفاق سعودي إيراني في الصين؟ فهل تغيرت السياسة الإيرانية التوسعية؟ لا، لم تتغير، فعلى أي أساس تم الاتفاق؟ ولماذا اختارت السعودية التهدئة مع إيران وأذرعها؟ هل خسرت الحرب في اليمن؟.
ما يمكن الإشارة إليه اليوم في تصريحات ولي العهد السعودي هو حالة الاستنساخ للمشاريع الإيرانية، وهو ما يمكن إسقاطه على الحرب السعودية التي شنتها على الجنوب في الفاتح من يناير الماضي، حين أوكل بن سلمان مهمة تلك الحرب إلى ولي ولي العهد ووزير الدفاع خالد بن سلمان، في حين بدا بعيداً ظاهرياً عنها، في محاولة للظهور بمظهر غير المنخرط مباشرة.
فبعد السيطرة على منابع النفط والجزر في الجنوب، قد يظهر بن سلمان لاحقا بخطاب “التلاحم العربي”، كما يقول إن إيران تفعل. حيث قال: “خلال العقود الماضية جرت محاولات عديدة للتفاهم مع هذا النظام...”.
أي أنها ذات الاستراتيجية؛ فحين شنت السعودية حربها على الجنوب، كانت الحرب تهدف –وفق خطابها– إلى الدفاع عن مشروع الوحدة اليمنية ومحاربة إسرائيل، ولم يغب المبرر المذهبي والديني، حين تكفل عدد من رجال الدين بإصدار فتاوى تجيز القتال ضد القوات الجنوبية بدعوى أنهم خارجون عن طاعة “ولي أمر المسلمين” في اليمن، رشاد العليمي.
اعترف بن سلمان قبل اتفاق مارس الصيني بأن “السعودية قد لُدغت مرة، ولن تُلدغ مرة ثانية”، وقال أيضاً إن السعودية هدف رئيسي للنظام الإيراني، وأن الوصول إلى قبلة المسلمين يمثل هدفا له، وأن السعوديين لن ينتظروا حتى تصبح المعركة في قلب السعودية، بل سيعملون على نقلها إلى داخل إيران.
اليوم، وبعد أن أصبحت المعركة أقرب إلى الداخل السعودي، يتحدث وزير الخارجية السعودي بلغة الأخوة والإسلام، وتحريم استهداف المسلمين، من قبل الدولة الشيعية الاثني عشرية “الرافضية”، كما صوّرها الإعلام والخطاب الديني السعودي، ليس منذ 2015م فقط، بل منذ حروب صعدة.
دعا بن فرحان إيران إلى “مراجعة نفسها”، وإذا كانت صادقة في مدّ يد الأخوة، فعليها أولا أن تتحلى بأخلاق الإسلام، الذي لا يجيز الاعتداء على الجيران، فضلا عن الجيران المسلمين، ولا يجيز استهداف المدنيين والأعيان المدنية ومصالح المسلمين.
وقبل السؤال عن مبررات الحرب السعودية على الجنوب، وهم مسلمون سنة أقرب إلى السعودية مذهبياً من إيران، يبرز سؤال آخر: لماذا لم يرَ المواطن الجنوبي هذا الخطاب سابقا؟ وهل عدم امتلاك الجنوبيين قدرات ردع كافية جعل تجربة الحرب عليهم ممكنة؟ وهل أصبح الإسلام، السني والشيعي، مساحة مرنة تتغير حدودها بتغير موازين القوة؟.
في حين أن مشاريع التوسع والهيمنة يمكن ان تخلق لها آلاف المبررات، خاصة وإذا كان الهدف الوصول إلى بحر العرب بـ'شيمة وقيمة'، كما قال السعوديون قبيل حرب المعادلة الصفرية (يناير 2026م)، في حين ان مشاريع مثل هكذا يمكن ان تحدث باتفاقيات ودية عنوانها 'الأخوة والإسلام والجوار'، دون الحاجة إلى شيوخ المداخلة وإلى شخصية لديها سجل دموي في اليمن والجنوب كـ'رشاد العليمي'، الذي أصبح أداة الحرب لتحقيق الهيمنة والتوسع السعودي لا الإيراني.
#صالح_أبوعوذل













































