اخبار اليمن
موقع كل يوم -شبكة الأمة برس
نشر بتاريخ: ٢٤ كانون الأول ٢٠٢٥
ساناز داود زاده فر*
حين تتكلّمين كأنّ
سوسنةً تسير في صوتكِ
تكلّمي، أُريد أن أسمع صوتكِ
كنتِ بُستانيّةَ صوتكِ
وضحكتُكِ سربُ حمامٍ أبيض
يُحلّق دفعةً واحدة
أُحبّكِ
كما صوت الأذان عند الفجر
كما طريق يؤدّي إلى النوم
كما آخر علبة سجائر في المنفى
أنتِ لستِ هنا
وما زالت النملاتُ
تحبُّ أخاديد القمح
ومصباحُ الطائرة
يُرى في الليل
يا عزيزتي!
لا يخرج قطارٌ عن سكّته حين يدهس عصفوراً
لا ينحرف عن المسار
وأنا
غزال أراد
أن يوقف قطاراً بقرونه
هذه المقالة تتناول تحليلاً لقصيدة الشاعر غلام رضا بروسان، التي تتناول بلغةٍ استعاريّةٍ رقيقة، قضايا الفقدان، المنفى، والمقاومة الإنسانية أمام الأنظمة اللامبالية. في سياق الحرب الأخيرة ذات الاثني عشر يوماً بين إيران وإسرائيل، تعمل هذه القصيدة كمرآة لا تعكس جمالية اللغة فحسب، بل عمق الألم والقوة الكامنة في صمت الشعوب أيضاً. عبر تحليل مقاطع مختلفة من القصيدة، يتأمّل النص في دور الشعر في إعادة بناء المعنى، وكشف الفراغ، وإحياء صوت المقموعين.
المقدمة: الشعر في زمن الحرب
وُلد غلام رضا بروسان، شاعر المطر والبارود، في أرض خراسان، حيث امتزجت رائحة الدم والخنادق مع طفولته. في أشعاره، يتشابك الجمال مع الألم، والصدق مع المنفى. وشعره الآن، بعد سنواتٍ من رحيله، يخفق من جديد في قلب الأزمات المعاصرة.
القصيدة موضوع التحليل، من بين أعماله التي تسخّر لغةً رقيقة وعاشقة للتعبير عن الأزمة السياسية والاجتماعية الراهنة، قصيدة يرتفع فيها صوت الإنسان، ولو كان عصفوراً أو غزالاً، في مواجهة قطار السلطة اللامبالية.
صوت السوسنة؛ استعارة للحضور الإنساني
«حين تتكلّمين كأنّ
سوسنةً تسير في صوتكِ»
يشبّه الشاعر صوت المخاطَبة بالسوسنة، رمز الرقة والطهارة، والموحى به من الأساطير الأنهيتية. هنا الصوت البشري ليس مجرد عنصر عاطفي، بل هو عامل حضور وبقاء؛ قوة تمنح المعنى حتى في الصمت. وفي سياق الحرب، يصبح الصوت ـ ولو مرتجفاً ـ بديلاً عن الصمت المفروض، ويعيد عبر الفن صياغة الاعتراض.
الضحكة، الحمام، الأذان؛ الأمل في قلب الخسائر
«وضحكتُكِ سربُ حمامٍ أبيض
يُحلّق دفعةً واحدة»
الضحك في شعر بروسان ليس أمراً فردياً، بل قوة جماعية للتحرّر. طيران الحمام دفعةً واحدة استعارة لآمالٍ صامتة للشعوب؛ قوة خفيّة قادرة على أن تنفجر في لحظة.
أما الأذان عند الفجر فهو المحبوب الذي يبشّر باليقظة والتحرّر من الظلام. يبيّن لنا الشعر هنا كيف يمكن للحب والروحانية أن يتحوّلا إلى أدوات مقاومة صامتة.
آخر علبة سجائر في المنفى؛ الشعر كملاذ
«أُحبّكِ كما آخر علبة سجائر في المنفى»
في هذا المقطع، يُشبَّه الحب بآخر أثرٍ من التسكين وسط المنفى. هذه الاستعارة تعكس وضع الشعوب في مجتمعٍ مقموع؛ حيث يصبح الشعر والحب، كعلبةٍ نصف محترقة، آخر رابط للإنسان مع هويته ومعناه. الشعر لا يداوي، لكنه يذكّر بالإنسانية.
الغياب، التكرار، المعنى؛ كشف العالم اللامبالي
«أنتِ لستِ هنا
وما زالت النملات تحبّ أخاديد القمح»
العالم يستمرّ من دون حضور «أنتِ»، من دون الصوت ـ لكنه بلا معنى. النملات والطائرات رموزٌ لنظامٍ ميكانيكي بلا روح. يذكّرنا الشاعر بأن الغياب يكشف فراغاً عاطفياً ومعنوياً في مجتمعٍ لم يبقَ فيه سوى البُنى، لا البشر. الشعر هنا أداةٌ لكشف هذا «الاستمرار بلا حضور».
الغزال في مواجهة القطار؛ تراجيديا المقاومة
«لا يخرج قطارٌ عن سكّته حين يدهس عصفوراً»
القطار رمز السلطة والهياكل اللاإنسانية؛ العصفور عُريٌ مطلق. هنا يرسم الشاعر وضع الشعوب: المطحونين تحت عجلات السياسة بلا قوة. لكن الغزال ـ الذي يقف بقرونه أمام القطار ـ رمز الشرف والمقاومة الإنسانية، حتى إن كان مصيره الفشل. الشعر في هذا السرد يتحوّل إلى ذاكرة للمقاومة.
دور الشعر في زمن الحرب والنسيان
وسط حرب إيران وإسرائيل، ما فُقد لم تكن الأرواح فقط، بل الأصوات أيضاً. الإعلام بثّ أرقاماً وشعارات؛ لكن البشر بقوا مجهولين، متألمين. شعر بروسان، وإن كُتب منذ سنوات، بات اليوم صوت المقموعين في هذه الأزمة. عندما يُمحى الناس من المشهد، يعيد الشعر حضورهم ـ في المنفى، في الضحك، في الأذان، في أخاديد القمح. شعر غلام رضا بروسان مثال على تلك الأشعار التي، في قلب الأزمة، لا تلجأ إلى العنف، بل إلى الصوت، الرقة، والاستعارة لإضاءة الحقيقة.
القطار؛ رمز اللامبالاة المهولة
يتحوّل شعر بروسان، خصوصاً في ختامه، إلى بيانٍ اجتماعي ـ سياسي خفي؛ مرثية للإنسان، للحب، للحوار، وللقيمة الحياتية في عالمٍ لم يعد يصغي. القطار يمثّل قوة هائلة، عنيفة وباردة ـ سلطة سياسية، آلة حرب، أو نظام استبدادي. لا يدهس العصفور (الإنسان العاري، السلام، الحب، الشعر) فحسب، بل لا يتوقف أو ينحرف لحظةً واحدة. هذه اللامبالاة هي الجانب الأشدّ رعباً، حيث يصبح الموت والدمار والعنف أموراً عادية بالكاد تُحسّ.
الإنسان من الفاعل إلى المتفرّج
في سياق الحرب والأزمات الداخلية (القمع، الرقابة، الأزمة الاقتصادية)، يغدو المشهد ملموساً بمرارة: السلطة لا تنحرف عن مسارها، حتى لو سُحق «الشعب» تحت عجلاتها. الغزال كائنٌ نبيل، جميل وضعيف؛ في تضاد كامل مع القطار. قد يكون هذا الغزال الشاعر، أو المعترض، أو المثقف، أو حتى الإنسان العادي؛ يحاول إيقاف الدمار والعنف، لكن أدواته غير كافية: يملك قروناً لا سلاحاً، ولا نفوذاً، ولا قوة. هذا القسم من القصيدة استعارة لمحاولاتٍ عقيمة في مواجهة أنظمة لم تُخلق للإصغاء. في فضاءٍ تُغلق فيه سبل الاحتجاج، يصبح الغزال بطلاً تراجيدياً.
الشعر كأداة مقاومة ناعمة
وسط القمع، يتحوّل الشعر ولغة الاستعارة إلى الوسيلة الوحيدة لنقل الحقيقة والمقاومة الناعمة، من دون أن يرفع شعاراً مباشراً، ينتقد هذا الشعر الوضع السياسي والاجتماعي، ويسأل من موقع إنساني:
هل ما زلنا عصافير؟ أم مجرّد صمامات بخار في القطار؟
بفضل لغته الشعرية وصوره البليغة، يرسم بروسان ملامح الوضع الاجتماعي ـ السياسي في مجتمعات مثل إيران اليوم: شعوب بلا قوة، صامتة، واقفة أمام حرب مفروضة وحكومة بلا آذان.
من التراث الشعري إلى المعاناة الإنسانية
التحوّل من فاعلٍ إلى متفرّج، في عالمٍ لم يعد حتى الحب والضحك فيه آمنَين، ليس مجرّد مأساة إنسانية، بل علامة على موتٍ تدريجي للمجتمع. وبالعودة إلى تراث الشعر الفارسي ودوره في التحوّلات الاجتماعية والسياسية، نجد أن الكلمة والاستعارة لطالما جاوزتا حدود الجماليات. في عصر المشروطة، حوّل بهار وعشقي الكلمة إلى سلاح ضد الاستبداد. وفي العقود اللاحقة، أظهرت فروغ فرخزاد وشاملو، أن الشعر يمكن أن يكون لغة احتجاج ولغة حب معاً. وفي هذا السياق، يمكن اعتبار بروسان امتداداً لهذا التقليد: شاعر يرسم عالماً من المقاومة والثبات بأداة الاستعارة واللغة العاطفية. أما صورة «آخر علبة سجائر في المنفى» فيمكن اعتبارها رمزاً لتجربة المنفى والاغتراب المرة، التي عاشها الملايين حول العالم. السجائر هنا ليست مجرد عادة يومية، بل استعارة عن آخر رابطٍ للإنسان بماضيه وبذاته. تذكّر هذه الصورة القارئ أن الإنسان، حتى في أقسى الظروف، بحاجة إلى شيء صغير يحفظ له تواصل الحياة وهويته.
يمكن القول، إن شعر بروسان ليس انعكاساً لتجربة فردية أو وطنية فقط، بل هو جسر يربط آلام وآمال الشعب الإيراني بالذاكرة الجمعية العالمية. ولهذا، فإن هذه القصيدة قادرة على مخاطبة جمهور عالمي، لأنها لا تحكي عن ألم أمة واحدة فحسب، بل عن تجربة إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية. إن قوة هذا النص تكمن في أنه يزاوج بين الرهافة العاطفية والتصوير السياسي العميق. فهو يقدّم صوراً بسيطة في ظاهرها، مثل العصفور والغزال والقطار، لكنها تتحول إلى رموز كبرى لمعنى الحياة والموت، الحضور والغياب، المقاومة والاستسلام. ومن هنا، فإن القارئ ـ سواء كان من الشرق أو الغرب ـ يجد نفسه أمام مشهدٍ مألوف: صراع الكائن الضعيف مع آلة السلطة الغاشمة. الشعر عند بروسان ليس مجرد ترفٍ جمالي أو لعبٍ لغوي، بل هو أداة بقاء، وسلاح رمزي يوازي السلاح المادي. في عالمٍ تهيمن فيه الدبابات والطائرات، يضع الشاعر صوته الهشّ في مواجهة الصخب، وكأنّه يذكّرنا بأن الكلمة، مهما بدت ضعيفة، قادرة على أن تخلّد الذاكرة وتفتح ثغرة في جدار الصمت. كما أن هذا الشعر يؤكد أن المقاومة ليست دائماً صاخبة أو مسلّحة؛ أحياناً تكمن في الضحكة، في الحب، في استدعاء الأذان عند الفجر، أو حتى في سيجارة أخيرة في المنفى. هذه التفاصيل الصغيرة، التي قد تبدو عابرة، تتحول إلى علاماتٍ على بقاء الإنسان وقدرته على التمسك بمعنى في مواجهة العبث.
وأخيراً، فإن أهمية قصيدة بروسان لا تقتصر على سياقها الإيراني، أو حتى الإقليمي، بل تتجاوز لتطرح سؤالاً إنسانياً عاماً: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على صوته وسط صخب العنف والخراب؟ هذا السؤال يخصّ اللاجئ في المخيم، والمقموع في زنزانة، والمحبّ الذي يكتب رسالة في المنفى. الشعر هنا ليس نهايةً، بل بدايةً لمسار التفكير والعمل: أن نتوقف، أن نصغي، وأن نعيد الاعتبار إلى هشاشتنا باعتبارها شكلاً من أشكال القوة.
*كاتبة إيرانية













































