اخبار اليمن
موقع كل يوم -نيوز يمن
نشر بتاريخ: ٢١ أذار ٢٠٢٦
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد حدة المواجهات غير المباشرة في محيط الممرات البحرية الحيوية، تبرز مؤشرات متنامية على احتمال انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر حساسية وخطورة، قد يكون عنوانها الأبرز 'حرب الزوارق السريعة'.
هذه الاستراتيجية، التي يعتمد عليها الحرس الثوري الإيراني منذ سنوات، تمثل أحد أبرز أدواته لتعويض الفارق الكبير في القدرات مع القوى البحرية التقليدية، وفي مقدمتها البحرية الأمريكية.
ومع تزايد الحديث عن تحركات ميدانية في نطاق مضيق هرمز، تبدو المنطقة أمام سيناريو محتمل قد يبدأ بمحاولة تحييد هذا التهديد غير التقليدي، تمهيداً لأي عملية أوسع لضمان حرية الملاحة وتأمين خطوط الطاقة العالمية.
ترسانة الزوارق.. ومعركة السيطرة
تعتمد العقيدة البحرية الإيرانية، خصوصاً لدى الحرس الثوري، على مبدأ 'اللامتكافئ'، حيث يتم استبدال القوة النارية الضخمة بالتكتيكات المرنة والسريعة. وتشير تقديرات عسكرية إلى أن إيران تمتلك ما بين 2000 إلى 3000 زورق بحري، تتنوع بين زوارق هجومية سريعة، وأخرى مزودة بصواريخ قصيرة المدى، بالإضافة إلى زوارق مفخخة يمكن استخدامها في عمليات انتحارية ضد الأهداف البحرية.
تكمن خطورة هذه الزوارق في قدرتها على العمل ضمن 'أسراب'، حيث يتم إطلاق أعداد كبيرة منها في وقت واحد لمهاجمة هدف محدد، ما يؤدي إلى إرباك أنظمة الدفاع لدى الخصم، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع استخدام الطائرات المسيّرة أو الألغام البحرية. كما أن سرعتها العالية وصغر حجمها يجعل رصدها والتعامل معها أكثر تعقيداً مقارنة بالسفن التقليدية.
وبحسب الصحفي والناشط مجاهد القب أن هذا النموذج من القتال لم يبقَ محصوراً بإيران، إذ نقلته إلى حلفائها في المنطقة، حيث قامت جماعة الحوثي بإدخال عدد محدود من هذه الزوارق ضمن تشكيلاتها البحرية، في محاولة لمحاكاة التكتيك الإيراني، رغم الفارق الكبير في الإمكانيات والعدد.
وأشار إلى أن أي تحرك عسكري محتمل لتأمين الملاحة في مضيق هرمز سيبدأ على الأرجح بتحييد هذه الزوارق، ما يجعل تدخل المروحيات الهجومية عاملاً حاسماً في المواجهة، نظراً لقدرتها على التعامل مع الأهداف السريعة والخفيفة.
ويُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات النفط العالمية، ما يجعله نقطة ارتكاز لأي صراع إقليمي. وفي حال اندلاع مواجهة عسكرية، فإن السيطرة على هذا المضيق ستتطلب تحييد التهديدات السريعة والمتحركة، وفي مقدمتها الزوارق الهجومية.
ويرى خبراء عسكريون أن هذه الزوارق، رغم بساطتها، تشكل خطراً حقيقياً على السفن الحربية والتجارية، إذ يمكنها تنفيذ هجمات مفاجئة من مسافات قريبة، أو زرع ألغام بحرية في ممرات ضيقة، ما قد يؤدي إلى تعطيل الملاحة بالكامل.
ولهذا، يُتوقع أن تكون هذه الزوارق الهدف الأول لأي عملية عسكرية، حيث ستسعى القوات المتقدمة إلى تدميرها قبل أن تتمكن من الانتشار. وفي هذا السياق، تبرز أهمية المروحيات الهجومية والطائرات المسيّرة المسلحة، التي تمتلك القدرة على تعقب هذه الأهداف السريعة وضربها بدقة عالية، ما قد يجعل السماء ساحة رئيسية للمواجهة إلى جانب البحر.
دروس التاريخ.. ومواجهة خاطفة
التاريخ العسكري في الخليج يقدم نموذجاً واضحاً على كيفية التعامل مع هذا النوع من التهديدات. ففي 18 أبريل 1988، خاضت الولايات المتحدة وإيران مواجهة مباشرة عُرفت باسم عملية فرس النبي، والتي تُعد أكبر اشتباك بحري بين الطرفين.
واندلعت هذه العملية بعد أن تعرضت السفينة الأمريكية USS Samuel B. Roberts للضرر نتيجة لغم بحري، ما دفع واشنطن إلى تنفيذ رد عسكري واسع النطاق. وخلال يوم واحد فقط، تمكنت القوات الأمريكية من تدمير منصات نفطية كانت تُستخدم لأغراض عسكرية، وإغراق الفرقاطة الإيرانية 'سهند'، وإلحاق أضرار جسيمة بسفن أخرى، إضافة إلى تدمير شبكة الاتصالات العسكرية الساحلية.
وأوضح الكاتب مجاهد القب أن التجارب السابقة تؤكد طبيعة هذا النوع من الصراعات، مستشهداً بـعملية فرس النبي التي انتهت خلال يوم واحد بتدمير واسع لقدرات بحرية إيرانية، وكذلك عملية الرامي الرشيق التي حُسمت خلال دقائق معدودة.
الأهم في هذه المواجهة لم يكن حجم الخسائر فحسب، بل الرسالة التي حملتها، إذ أظهرت مدى التفوق التقني والعملياتي للقوات الأمريكية، مقابل محدودية قدرات إيران في مواجهة حرب بحرية تقليدية مفتوحة.
وبعد أشهر قليلة من 'فرس النبي'، شهدت المنطقة مواجهة أخرى أقل حجماً لكنها ذات دلالة مهمة، عُرفت باسم عملية الرامي الرشيق. هذه العملية، التي لم تستغرق سوى نحو 20 دقيقة، استهدفت منصات مراقبة إيرانية في الخليج، وتم تدميرها بسرعة ودقة.
تعكس هذه العملية نمطاً مختلفاً من المواجهة، يقوم على الضربات السريعة والمحدودة التي تحقق أهدافاً تكتيكية دون الانزلاق إلى حرب شاملة. كما أظهرت أن القدرة على تنفيذ عمليات دقيقة في وقت قصير يمكن أن تكون كافية لفرض معادلة ردع دون الحاجة إلى تصعيد واسع.
واليوم، ومع تغير طبيعة الحروب ودخول تقنيات جديدة مثل الطائرات المسيّرة والأسلحة الذكية، يطرح السؤال حول ما إذا كانت المنطقة على أعتاب تكرار سيناريو مشابه لمواجهات 1988، ولكن بأدوات أكثر تطوراً وتعقيداً.
يرى محللون أن أي مواجهة قادمة لن تكون تقليدية، بل ستجمع بين الحرب البحرية، والضربات الجوية، والهجمات السيبرانية، إضافة إلى استخدام الوكلاء الإقليميين. ومع ذلك، تبقى الزوارق السريعة أحد أبرز عناصر المعادلة، سواء كأداة تهديد رئيسية أو كهدف أولي لأي عملية عسكرية.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو منطقة الخليج أمام مرحلة حساسة، حيث يمكن لأي شرارة أن تتحول إلى مواجهة واسعة، فيما تظل السيطرة على مضيق هرمز وتأمين الملاحة الدولية العامل الحاسم في تحديد مسار الأحداث، وسط ترقب دولي لأي تطورات قد تعيد رسم ملامح الأمن البحري في المنطقة.
وأوضح الكاتب والناشط مجاهد القب إن الأيام القادمة قد تكون حافلة بالتطورات، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، ما يضع المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة تتطلب قراءة دقيقة لموازين القوة والتحولات الجارية.













































