اخبار اليمن
موقع كل يوم -سبأ نت
نشر بتاريخ: ٢٧ أذار ٢٠٢٦
صنعاء -سبأ:
تقرير: جميل القشم
في الـ26 من مارس 2015م، ارتكب تحالف العدوان الأمريكي السعودي الإماراتي جريمته الكبرى بحق اليمن، حين شن حرباً غاشمة بغطاء دولي وتواطؤ مكشوف، استهدفت الإنسان اليمني في دمه وعيشه وكرامته، وطالت البنية التحتية والمنشآت والخدمات ومصادر العيش، في عدوان شامل أراد إخضاع اليمن وإعادته إلى مربع الوصاية.
فكانت تلك الجريمة بداية مرحلة تاريخية كبرى عنوانها الصمود اليمني، وسقوط رهانات المعتدين أمام إرادة شعب صابر مجاهد عصي على الانكسار.
في ذلك المساء، تكالبت قوى الاستكبار العالمي ضمن تحالف إجرامي قادته السعودية والإمارات بإشراف أمريكي مباشر، وحشدت ترسانات سبع عشرة دولة لشن عدوان غاشم على اليمن، في محاولة آثمة لإخضاع شعب عزيز وكسر إرادته والسيطرة على قراره الوطني، متوهمة أن كثافة القصف وسطوة السلاح ستطوي صفحة اليمن في أسابيع، فيما كانت تتجاهل حقيقة راسخة في وجدان التاريخ، مفادها أن هذه الأرض عُرفت بمقابر الغزاة، وكتبت على امتداد القرون نهايات المحتلين بصلابة شعبها وعظمة انتمائه وإيمانه.
وسجلت الذاكرة الوطنية بمداد الدم والشموخ أبشع صور التوحش الإجرامي، حين انهالت آلاف القذائف والغارات على رؤوس الأطفال والنساء في المنازل والأحياء السكنية، وامتدت آلة القتل الممنهج لتحيل المستشفيات والمدارس والجامعات والطرق والجسور إلى أهداف مباشرة، وتدفع بالاستهداف إلى الأسواق وصالات الأعراس وموانئ الصيادين وقواربهم، في حرب إبادة شاملة ومكشوفة جسدت الطبيعة الإجرامية للعدوان، وكشفت حجم التآمر على اليمن والإنسان اليمني.
واستهدفت الغارات الجوية، كل مقومات الحياة، وطالت الحجر والشجر والمنشآت الخدمية من محطات الكهرباء والمياه والمطارات والمصانع والمزارع، في قصف ممنهج سعى إلى شل مفاصل الحياة العامة، وتدمير البنية التحتية، وتجفيف منابع الرزق، وإغراق البلاد في معاناة مركبة، ضمن حرب شاملة أرادت إنهاك البلد وكسر إرادته الوطنية.
وتجلت المؤامرة الكبرى في الحصار الخانق الذي فُرض على اليمن، واستهدف تجويع الشعب ومنع دخول الغذاء والدواء والوقود، ثم استكملت قوى العدوان حربها الاقتصادية بنقل وظائف البنك المركزي، وقطع رواتب موظفي الدولة، ونهب الثروات النفطية والسيادية، في عدوان مركب أراد تعميق المأساة المعيشية، والضغط على اليمنيين في ضروريات حياتهم، ودفعهم إلى الاستسلام تحت وطأة الجوع والإفقار، وسط صمت دولي مخزٍ وتواطؤ مكشوف.
وأمام هذا الطوفان من التحديات، برز النموذج اليماني الأسطوري في الالتفاف الشعبي الواسع حول قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، حيث جسدت الجماهير أسمى قيم الصبر والثبات، متمسكة بمبادئ مشروع المسيرة القرآنية وأهداف ثورة الـ21 من سبتمبر، التي أسقطت مشاريع الوصاية الخارجية للأبد.
وأظهرت المناطق الحرة صموداً مؤسسياً لافتاً من خلال استمرار أداء مؤسسات الدولة وتماسك الجبهة الداخلية رغم قلة الموارد وتعاظم التحديات، فيما كشفت المحافظات الواقعة تحت وطأة الاحتلال حقيقة أهداف العدوان الرامية إلى تفتيت اليمن والسيطرة على جزره وموانئه، وإغراق تلك المناطق في فوضى أمنية عارمة واقتتال مستمر بين فصائل المرتزقة المأجورة.
ورسمت القبيلة اليمانية لوحة الشرف الأسمى من خلال قوافل العطاء والمدد التي تدفقت من كل قرية وعزلة، حيث تسابق اليمانيون لرفد جبهات العزة بالمال والرجال والغذاء، مؤكدين أن العمق الشعبي هو الحصن المنيع الذي تحطمت عليه كل أحلام الغزاة في استعمار الأرض أو تدنيس السيادة الوطنية.
وشهدت سنوات الصمود تحولاً عسكرياً أدهش الخبراء والمحللين، حيث امتلك اليمن تكنولوجيا التصنيع الحربي للطيران المسير والصواريخ الباليستية بمديات استراتيجية، وبنى جيشاً قوياً بعقيدة إيمانية صلبة، وترسانة عسكرية كبيرة فرضت معادلات ردع مؤثرة، وجعلت من القوة اليمنية رقماً صعباً يحسب له العالم ألف حساب.
وبلغ الشموخ اليماني ذروته بالتحول إلى قوة إقليمية ضاربة تنصر المظلومين في قطاع غزة، مستهدفة عمق الكيان الصهيوني بالصواريخ والمسيرات، وفارضة حصاراً بحرياً مطبقاً على سفن العدو في البحر الأحمر والبحر العربي وخليج عدن، في واحدة من أكبر عمليات إذلال البوارج وحاملات الطائرات الأمريكية والبريطانية في المنطقة.
وأثبتت المشاهد الحية لاحتراق السفن المعادية أن السيادة اليمانية على مياهه الإقليمية حقيقة ثابتة لا تقبل المساومة، وأن الزمن الذي كانت فيه البحار ساحة مستباحة لقوى الاستكبار قد ولى، فاليمن اليوم هو من يكتب قواعد الاشتباك ويؤمّن طرق الملاحة لخدمة قضايا الأمة العادلة ومواجهة قوى الطغيان العالمي.
وبالتوازي مع معركة الصمود، شهدت المناطق الحرة بروز نماذج تنموية وإنتاجية وخدمية متعددة، أملتها تحديات الحصار ودفعت نحو الاعتماد على القدرات الذاتية، فتقدمت جهود استصلاح الأراضي والتوسع الزراعي، وتوسعت خطوات توطين الصناعات المحلية، وبرزت المبادرات المجتمعية كرافد فاعل في ميادين الإنتاج والخدمات، في مسار جسد قدرة اليمنيين على تحويل ضغط الحصار إلى فعل بناء وثبات.
وضمن القراءات التحليلية للمشهد، يجمع خبراء السياسة على أن الثبات اليماني كسر حواجز المستحيل، وحقق اختراقاً استراتيجياً في جدار الهيمنة الاستكبارية، حيث تجلى الصدق اليماني في ميادين الإسناد لغزة كقوة ضاربة أربكت حسابات واشنطن وتل أبيب، ليتصدر اليمن المشهد العالمي كنموذج ملهم في التحرر والسيادة، وسندٍ راسخ في مواجهة مشاريع التفتيت الصهيوأمريكية.
وإذ يطوي اليمن عامه الحادي عشر من الصمود، تبرز المفارقة التاريخية الكبرى بين أوهام المعتدين في ليلة الـ 26 من مارس وحقائق الميدان اليوم؛ فبينما راهن العدو على ترسانته الذكية لتركيع شعب أنهكته الجراح وافتقر للسلاح حينها، أسقط اليمانيون كل الرهانات المادية بامتلاكهم سلاح التوكل المطلق، وحولوا لحظة الانكسار المتوقعة إلى انطلاقة كبرى نحو بناء جيش لا تقهره سطوة التكنولوجيا ولا صلف العدوان.
ومن بين أنقاض الدمار، انبعثت قوة يمانية ضاربة أعادت رسم خارطة التوازنات، تجلت في ترسانة صاروخية وسلاح جوي مسير حمل أسماء 'صماد' و'قدس' و'طوفان' و'يافا'، لتعلن للعالم خروج اليمن من عباءة الوصاية وقصور الرياض وأبوظبي، وصعوده رقماً صعباً يمتلك زمام المبادرة، ويصنع أدوات نصره بعقول أبنائه الذين طوعوا المستحيل تحت أزيز الطائرات.
وتتوج هذه المسيرة المظفرة بوقوف الجماهير اليمانية اليوم في ذروة الاستنفار والجهوزية لمواجهة كل الاحتمالات، معلنة انخراطها الكامل في معركة 'الفتح الموعود والجهاد المقدس' وفاء لدماء الشهداء التي أثمرت نصراً وتمكيناً، حيث بات الثبات اليماني رافعة أساسية لإسناد الأشقاء في فلسطين ولبنان، وقوة ضاربة في وجه الثلاثي الشيطاني وأدواته، لصياغة مستقبل المنطقة بعيداً عن كابوس الهيمنة وعلى أيدي شعب لا يعرف الانحناء.
وعلى أعتاب العام 12، تمضي مسيرة الصمود اليمانية بخطى ثابتة نحو استكمال معركة التحرر الوطني وتطهير كل شبر من دنس الغزاة والمحتلين، مستندة إلى إيمان راسخ بعدالة القضية، وإلى شعب صاغ من الجراح قوة، ومن الحصار إرادة، ومن التضحيات طريقاً للنصر، ليظل 26 مارس علامة فارقة في ذاكرة اليمنيين، وشاهداً أبدياً على سقوط رهانات العدوان، وعلى ميلاد يمن جديد يمتلك قراره، ويحمي سيادته، ويرسم بدمائه وتضحياته ملامح النصر المؤزر.
إكــس













































