اخبار اليمن
موقع كل يوم -شبكة الأمة برس
نشر بتاريخ: ٢٥ أذار ٢٠٢٦
أحمد برقاوي*
إلى ابن باجة
ضقتُ ذرعاً بالعوام يا ابن باجة،
وضاق الوجود على روحي.
أفردتُ أجنحتي البيضاء
حاملاً أحلام عمري الزرقاء،
ومضيت في رحلة المعنى
عبر وديان الكشوف.
فرأيت ألف ألف أسير
مصفدٍ في العتمة الكبرى،
وفي الوديان
سكان كهوف.
وطريق الحق مغلقة،
والناس تمضي وراء من جزَّ أعناق السؤال،
صفوف يقين
وراء صفوف.
إلى أين أمضي؟
قل لي يا المتوحد تدبيراً،
وأنا لا صوامع الكهان تغريني،
ولا جلباب ناسكٍ
من وبرٍ وصوف.
قل لي:
والكائنات دفوف
ترقص خبلاً
على وقع الدفوف.
***
إلى ابن طفيل
يا كاتب «حي بن يقظان»،
لا أحياء على ظهر هذا الكوكب
المرهق
من ضمائر سكانه الأدنياء.
ولا يقظة
تسدل الستار على هذا السبات.
ولا أرواح تنشد الأنوار،
ولا فضاء
يغري بالطيران.
أنياب وحوش الغابة، يا ابن طفيل،
أرحم من الأصابع التي تضغط على الزناد،
وأرقى.
والغزالة التي أرضعت «حياً»
يلتهمها الأثرياء
على موائد البطر.
ولا حوارات
في مجالس العلم التي عشتها
يا صديق ابن رشد.
يا ابن طفيل،
هما اثنان:
الابن حي،
والأب يقظان.
فلا الحي حي،
ولا اليقظان يقظان.
والأم التي تركت وليدها في الغابة
لفَّها النسيان.
أيها الغرناطي المحمَّل بالهموم،
«حي» الذي لم يقرأ
مقدمة ابن خلدون،
ولا كتاب «الأمير»
ولا صحف إبراهيم وموسى والأولين،
تقتله الدهشة
من حالنا.
من ذا الذي يعيدنا
إلى حكمة الغابات
ورحمتها،
بعد أن أعيتك الحيلة مع العوام
كما عدتَ
يا ابن يقظان؟
و«آسال» الحكيم
يكتب وصيته الأخيرة:
أيها المتطفلون على الحياة،
لا تقرؤوني.
أعرف يا «آسال»
أن لا سحر يعيد الأرض
إلى براءتها،
ولا يشتط بي الحلم
إلى العيش في جنة
وسعها السماوات والأرض.
لكنني أكتب
صرخة النفس في وادٍ،
وأحب الحياة
رغماً
عن أحوال العباد.
إلى ابن رشد
صباح المحبة يا ابن رشد،
يا من حجب فيك الفيلسوف
وجه الفقيه.
أعرف يا صاحبي
أن لا قبر يشهد عليك،
ولا طمعتَ بأحد
ليقرأ على قبرك
فاتحة الكتاب بعد الموت.
لكني قرأت منشور الإدانة،
وقرأت أسفارك،
وكتبتك وأولتك،
وتزوّدت منك
في رحلتي.
يا سليل العقل
والوجدان النقي،
كم كنت سعيداً
لأنني لم أعثر لديك
على اتصالٍ
بين العقل والنقل.
بل صدق الغزالي
قبل «فصل المقال»
حين رأى في تهافته
ما بين الفيلسوف
والنقل
من انفصال.
فروح الفيلسوف
لا تختفي في غمغمة الكلام
خوفاً
من وقع الحسام.
وعقائد الملة
لا تطيق الحكمة،
ولا حتى
علم الكلام.
و»تهافت التهافت»
قالها دون لبس:
لا قدم
ولا معاد.
فهموك فكفروك يا جدي
ونفوك،
وحراس هياكل الظلم
ما زالوا خائفين
من روحك.
ويمرح الأوباش
في بلادٍ
حرقت ابن مقفعها،
وصلبت حلاجها،
ونفتك.
والحلف المقدس
بين العمامة والصولجان
ـ خلفاء من شتموك وآذوك وكفروك ـ
ما زال يقتل
صاحب الحلم
والعقل
والصعلوك.
وهناك
حيث بعث اللاتيني أنوارك،
جعلوك جسراً للشروق،
وهزمت البابا
الذي حرّم النطق
بأقوالك.
لماذا وكيف
انتصرت يا جدي
في بلاد الفرنجة،
ونُسيت
في أرحاب أوطانك؟
أعرف يا أبا الوليد
لماذا وكيف،
لكن السؤال
تأفف من ليلنا الحالك.
آه
لو تدري يا أرسطيَّ الهوى
حال العقل
والقول
والبرهان.
حتى المحرك
الذي لا يتحرك
قتلوه في الساحات.
والمتشبهون بفلاسفة الأسلاف
يزخرفون كل ما قاله
الجاهل ـ السلطان.
أبحث عن روحك
علها تسري يوماً
في محلٍّ
ينتظم البلاد كلها.
فأنا يا صاحبي
حر
ومغترب
ومنفي،
وعقل جلاد الشام ـ لو تدري ـ
أجهل
من عقل جلادك.
وسيف حراس الظلام في وطني
أقسى
من سيف ظلامك.
إلى ابن عربي
أتراك، يا صاحب «ترجمان الأشواق»
أخفيت عشقك عن الخلق
شارحاً ترجمانك،
وتواريت
وراء عشق الإله،
خوفاً على جبتك الخضراء
من كلام العوام؟
عبثاً حاولت التقنّع
يا صاحب الخطوة إلى الله.
فالصاعقة يا صاحبي
لا تُخفى حرائقها،
ولا كلام يواري
ألسنة اللهب
التي تخرج من الروح.
وجريمة الهوى المقدسة
التي تشع بالوجد
لا صدر
يدفنها.
لا عليك يا المفتون (بنظام)،
فليلى
تولد في كل العصور،
ومجانين الهوى
خالدون.
*اكاديمي فلسطيني/ سوري













































