اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٣١ أب ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
ليس المطلوب من مجلس النواب أن يكون بطيئاً، كما أنه ليس مطلوباً منه أن يحوّل التشريع إلى سباق مع الزمن.
وبين البطء الذي يعطل مصالح الدولة والاستعجال الذي قد ينتج تشريعاً يحتاج إلى الإصلاح لاحقاً، توجد مساحة اسمها جودة التشريع. وفي هذه المساحة تحديداً يجب أن يكون النقاش بعد دورة استثنائية أنجز خلالها مجلس النواب ستة مشروعات قوانين، بينها قوانين تمس تفاصيل مهمة في حياة الأردنيين وفي شكل الإدارة العامة والمحلية.
السؤال هنا ليس: كم قانوناً أنجز المجلس؟
السؤال الأهم: كم قانوناً أخذ حقه من النقاش؟
فالبرلمان ليس مصنعاً للقوانين، والنائب لا يُقاس بعدد المرات التي يرفع فيها يده للتصويت، كما أن نجاح الدورة البرلمانية لا ينبغي اختزاله بعدد مشروعات القوانين التي عبرت من اللجان إلى القبة ثم إلى مجلس الأعيان.
التشريع مختلف.
القانون الذي يُقر اليوم قد يحكم علاقة المواطن بالدولة سنوات طويلة. وقد يرتب التزامات مالية، ويمنح صلاحيات، ويسحب أخرى، ويغير شكل مؤسسة، ويؤثر في الملكية أو الإدارة أو الاقتصاد أو حياة الأسرة.
ولهذا فإن ساعة إضافية من النقاش قبل إقرار القانون قد توفر على الدولة سنوات من الجدل بعد إقراره.
والمشكلة ليست في سرعة الإنجاز بذاتها. هناك قوانين واضحة أو تعديلات محدودة لا تحتاج إلى أشهر من النقاش، وهناك ظروف تستدعي الإسراع. لكن الخطر يبدأ عندما تصبح السرعة مؤشراً للنجاح التشريعي بحد ذاتها.
فالرقم سهل التسويق: أقررنا كذا قانوناً، عقدنا كذا جلسة، ناقشنا كذا مادة.
أما السؤال الأصعب فهو: ماذا تغير في مشروع القانون نتيجة النقاش النيابي؟ كم ملاحظة من المجتمع أُخذ بها؟ هل استمع النواب فعلاً إلى المتضررين والمستفيدين والخبراء؟ وهل كانت الآثار الاقتصادية والاجتماعية والإدارية لكل تشريع واضحة قبل التصويت عليه؟
هذه أسئلة لا تظهر في إحصائية الإنجاز، لكنها هي التي تحدد قيمة الإنجاز.
ولنأخذ قانوناً يمس الإدارة المحلية مثلاً.
هذا ليس تعديلاً لغوياً على مادة عابرة، بل تشريع يرتبط بفلسفة إدارة المحافظات، وتمثيل المواطنين، وتوزيع الصلاحيات، والعلاقة بين المركز والأطراف. ومن الطبيعي أن يثير خلافاً وأن يحتاج إلى نقاش عميق، لأن الاختلاف حوله ليس عائقاً أمام التشريع، بل جزء من التشريع نفسه.
البرلمان الذي يختلف ليس برلماناً فاشلاً.
بل ربما يكون البرلمان الذي لا يختلف على شيء هو الذي يستحق السؤال.
الديمقراطية لا تنتج قوانين جيدة بالصمت، وإنما بالنقاش، وبسماع الرأي والرأي الآخر، وبإعطاء الأقلية حقها في الاعتراض، ثم اتخاذ القرار وفق القواعد الدستورية.
والأهم أن النقاش المطلوب لا ينبغي أن يبدأ تحت القبة فقط.
قبل وصول القانون إلى مرحلة التصويت، يجب أن تكون هناك مساحة حقيقية لأصحاب العلاقة. البلديات في قانون يمس البلديات، والنقابات في تشريع يمس المهن، والقطاع الخاص في القوانين الاقتصادية، والجامعات والخبراء في الملفات المتخصصة، ومنظمات المجتمع المدني عندما يتعلق التشريع بحقوق وفئات اجتماعية.
ليس لأن هؤلاء يملكون حق النقض، بل لأنهم غالباً يعرفون تفاصيل قد لا تظهر في النص المكتوب.
فالقانون يبدو مثالياً أحياناً على الورق، ثم يصطدم بالواقع عند التنفيذ.
وهنا ندفع جميعاً ثمن الاستعجال.
تظهر ثغرة، ثم يصدر نظام لمعالجتها، ثم تعليمات لتفسير النظام، ثم يبدأ الخلاف حول التعليمات، وبعد سنوات نعود إلى البرلمان بمشروع قانون معدل.
وعندها يصبح السؤال مشروعاً: لو منحنا القانون وقتاً أطول قبل إقراره، هل كنا سنوفر كل هذا الوقت بعد إقراره؟
لدينا في الأردن تجربة تشريعية طويلة، ومن الطبيعي أن تتغير القوانين مع تغير المجتمع والاقتصاد والتكنولوجيا. تعديل القانون ليس دليلاً تلقائياً على أن القانون السابق كان سيئاً، فالحياة نفسها تتغير.
لكن كثرة العودة إلى التشريع نفسه خلال مدد قصيرة يجب أن تدفعنا إلى مراجعة طريقة صناعة القوانين.
هل ندرس الأثر قبل التشريع بما يكفي؟
هل نضع سيناريوهات التطبيق؟
هل نسأل الموظف الذي سينفذ القانون والمواطن الذي سيخضع له؟
هل نعرف الكلفة المالية؟
وهل توجد مؤشرات نقيس بها بعد عام أو عامين إن كان القانون حقق فعلاً الهدف الذي صدر من أجله؟
هذه هي الحلقة التي تحتاج إلى تعزيز.
فنحن نتحدث كثيراً عن إقرار القانون، وأقل عن حياته بعد الإقرار.
يخرج التشريع من البرلمان، ينشر في الجريدة الرسمية، ثم يبدأ التطبيق. لكن من يعود بعد عام ليسأل: هل نجح؟
إذا صدر قانون لمعالجة مشكلة، يجب أن نعرف بعد مدة محددة إن كانت المشكلة تراجعت.
وإذا منح القانون صلاحيات جديدة لجهة ما، يجب أن نعرف كيف استُخدمت.
وإذا فرض رسوماً أو التزامات، يجب أن نعرف أثرها.
وإذا أعاد هيكلة قطاع، يجب أن نقيس النتيجة.
وإلا فإننا نقيس بداية الرحلة وننسى نهايتها.
وهناك جانب آخر لا يقل أهمية: ثقة المواطن بالقانون.
المواطن أكثر استعداداً لاحترام التشريع عندما يشعر أن صوته أو صوت ممثليه وأصحاب الاختصاص قد سُمع قبل إقراره. وعندما يفهم لماذا صدر القانون، وما المشكلة التي يعالجها، ولماذا اختير هذا الحل دون غيره.
أما عندما يفاجأ المواطن بقانون لم يسمع عنه إلا عند إقراره، فإن أول علاقة بينه وبين التشريع تبدأ بالسؤال والشك بدلاً من الفهم والثقة.
ولهذا فإن الشفافية التشريعية ليست ترفاً.
من حق الأردني أن يستطيع الوصول بسهولة إلى مشروع القانون، وأن يعرف الفارق بين النص القديم والجديد، والأسباب الموجبة، وأبرز الملاحظات المقدمة عليه، وما الذي تغير خلال المناقشات.
ومن حقه أيضاً أن يفهم التشريع بلغة يستطيع قراءتها، لا أن يبقى القانون حكراً على القانونيين.
إن قوة البرلمان لا تظهر عندما يمر القانون بسرعة، بل عندما يخرج القانون من تحت القبة أفضل مما دخل إليها.
هذه هي وظيفة التشريع.
الحكومة تقترح، والنواب يناقشون ويعدلون ويراقبون، والأعيان يراجعون، والمؤسسات الدستورية تستكمل المسار. وكل مرحلة ليست إجراءً شكلياً ينبغي اختصاره، بل طبقة إضافية من التدقيق يفترض أن تحمي الدولة والمواطن من الخطأ.
ولهذا لا نحتاج إلى برلمان يعطل القوانين، بالتأكيد.
لكننا أيضاً لا نحتاج إلى برلمان يشعر أن عليه إثبات إنتاجيته بعدد القوانين التي ينجزها.
نحتاج إلى مجلس يستطيع أن يقول للحكومة عندما يلزم: هذا القانون يحتاج إلى مزيد من الوقت.
ويستطيع أن يقول للمواطن أيضاً: ناقشنا، واستمعنا، وعدلنا، ثم اتخذنا القرار.
فالسرعة فضيلة في إنجاز معاملة، وفي بناء خدمة، وفي حل مشكلة عالقة.
أما عندما نصنع قانوناً سيعيش سنوات، فإن الفضيلة الأولى هي الدقة.
وفي النهاية، لن يتذكر الأردني بعد سنوات أن مجلساً نيابياً أقر ستة قوانين في دورة واحدة.
لكنه سيتذكر جيداً القانون الذي أثّر في حياته، سواء كان جيداً أم سيئاً.
لهذا، لا تسألوا البرلمان فقط: كم قانوناً أنجزتم؟
اسألوه أيضاً: كم قانوناً كان أفضل بعد أن مرّ من عندكم؟
فالقانون ليس سباق سرعة، والبرلمان ليس مصنعاً للتشريعات، وإنجاز عشرة قوانين جيدة أقل كلفة على الدولة من إنجاز عشرين قانوناً نعود بعد سنوات لإصلاحها.












































