اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٤ أيلول ٢٠٢٦
د. فايز بن عبدالله الشهري
في لحظة مفصلية من تاريخ المنطقة، يجد مشروعا 'الحوثيين' في اليمن و'الفصائل المسلحة' في العراق نفسيهما محاصرين بجملة من المتغيرات المتلاحقة التي تتجاوز بكثير ما واجهاه في أي مرحلة سابقة. ولم يعد السؤال يدور حول قدرة هذه الميليشيات المرتبطة عضويًا بمشروع إقليمي مأزوم على الصمود، بل حول التوقيت الذي ستنكشف فيه هشاشة بنيتها الظرفية تحت وطأة ضغوط متشابكة، محلية وإقليمية ودولية، تعمل في آنٍ واحد على تقويض أسس وجودها.
ورغم استمرار الحرس الثوري الإيراني في تقديم الدعم لتوجيه العمليات الحوثية وتحركات الفصائل العراقية الموالية، إلا أن حجم هذا الدعم ونوعيته سيتغيّران جوهريًا. والأهم من تقلص التمويل والتسليح، هو النقص المؤثر للكوادر المتقدمة من الحرس الثوري وخبراء 'حزب الله' اللبناني، الذين يديرون هذه المعادلة ميدانيًا، ما سيترك هذه الجماعات في فراغ تخطيطي وعملياتي مكشوف.
وتكمن المفارقة هنا في أن ميليشيات الحوثيين والفصائل المسلحة في العراق استمدوا جانبًا كبيرًا من أسباب بقائهم من اللعب على تناقضات الإقليم، لكن هذا الارتباط الوظيفي بات اليوم قيدًا يخنق حركتهم. فالحرب المحيطة بإيران ترفع نظريًا من قيمة الورقة الحوثية والميليشيات في العراق في الحسابات التكتيكية لطهران، لكنها في المقابل تجرّد هذه الجماعات من أي استقلالية، وتحولها إلى مجرد أدوات تفاوضية وتدفع بها إلى ساحات لا تختار توقيتها ولا سقفها.
وفي محاولة يائسة للهروب إلى الأمام وبتوجيه إيراني ولاستعادة زخم الدور الوظيفي، تناور جماعة الحوثي، وتتخادم معها الفصائل العراقية المسلحة، بمغامرة انتحارية تتمثل في مناورات استهداف المملكة وفتح الجبهات مجددًا. غير أن هذا الخيار لا يعدو كونه انتحارًا سياسيًا وعسكريًا؛ فالرياض اليوم تقود دبلوماسية دولية صلبة، وتتمتع بتفوق استراتيجي رادع وشبكة تحالفات واسعة. وأي تصعيد متهور من هذا القبيل لن يؤدي إلا إلى نسف مساعي التهدئة التي كانت تمثل طوق النجاة الأخير لهذه الميليشيات، وسيستجلب ردًا حاسمًا وساحقًا لا تملك لا صنعاء المختطفة ولا بغداد المتردّدة القدرة على تحمل تبعاته.
بالتوازي مع ذلك، أدركت واشنطن والقوى الغربية خطورة استراتيجية هذه الجماعات على الملاحة الدولية والأمن الإقليمي، فدفعت بمستشاريها وعززت قطعها العسكرية، وأنشأت غرف عمليات متطورة لتحديد الأهداف وضربها. وهذا التحرك يعني أن أي مغامرة جديدة من هذه الفصائل اليائسة ستصطدم بشبكة خصوم مدعومة بأحدث تقنيات التحليل والاستطلاع. ويتعزّز هذا الاتجاه في ظل تبلور موقف دولي داعم للتعامل مع تهديدات الأمن والملاحة الدوليين بطرق أكثر حزمًا، متجاوزًا لغة الإدانات إلى استراتيجيات التفكيك العسكري الفعال.
على المستوى الداخلي، تعيش الميليشيات مقدمات انهيار متسارعة. ففي اليمن، بدأت القبائل التي سايرت الحوثيين تحت ضغط 'الأمر الواقع' تتحول إلى كتلة معارضة نشطة، برزت ملامحها في انشقاقات محافظة الجوف، ورفض المشايخ لحملات التجنيد، وتأسيس تحالفات جديدة مثل 'مطارح الكرامة'. وبصورة مشابهة، تواجه الميليشيات في العراق نقمة مجتمعية وإرادة سياسية جراء مروقها واستنزافها لمقدرات الدولة. ويتعمق المأزق الحوثي بشكل خاص عبر تصدع قيادي داخلي، تجلى بوضوح في صراع الأجنحة بين تيار صعدة العقائدي وجناح صنعاء الأمني، وما رافقه من تصفيات واختراقات أربكت التماسك التنظيمي للجماعة.
ويكتسب الضغط الميداني للقوات اليمنية الوطنية -إن أخلصت لوطنها- أهمية مضاعفة، فمع اتساع الجبهات من تعز والساحل إلى مأرب والحديدة، يتعاظم الاستنزاف الذي يحد من قدرة الحوثيين على المناورة. وهكذا، فإن المزيج القاتل بين انكشاف القاعدة القبلية والمجتمعية، وتراجع الغطاء الإقليمي، والتهور باستهداف المملكة، وتصاعد الضغط الدولي، يجعل مأزق الحوثيين والفصائل المسلحة في العراق أزمة وجودية نهائية. والسؤال اليوم لم يعد إن كان هذا المشروع التخريبي سينتهي، بل متى ستدرك هذه الميليشيات أن أوراقها احترقت، وأن المرحلة القادمة لن تشهد سوى توقيع ورقة خروجها القسري من لعبة لم يعد لديها ما تُقدّمه للبقاء فيها؟
لا عجب؛ فالحرب نار تلتهب.. وأول زادها من جاء بالحطب.










































