اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٦ تموز ٢٠٢٦
د. فايز بن عبدالله الشهري
يُقصد بالطفيليات السياسية الرقمية هنا، تلك الحسابات أو الكائنات التي تتغذّى على عاطفة الجمهور السعودي وثقته، فتبدأ بالمديح المصطنع وبناء التقرّب الزائف، ثم تستثمر ما جمعته من نفوذ ومتابعين لخدمة أجندات مدفوعة أو خصومات سياسية. وفي الغالب تبدأ هذه الطفيليات السياسية الرقمية من حيث لا ينتبه الناس من خلال عبارات مديح ناعمة، ومقاطع عاطفية منمّقة تعرف جيدًا أي وتر تعزف، وأي ذاكرة تستدعي، وأي اعتزاز وطني تستثمره. وهذه الكائنات لا تدخل إلى الفضاء العام بصفة الخصوم، بل تتسلل في ثياب المحبة، وتنمو على صناعة الثقة، فهي تبدأ بمدح المملكة وشعبها لا لأنها ترى في ذلك موقفًا أخلاقيًا، بل لأنها تعرف أن العاطفة الوطنية باب يُمكن فتحه بسهولة.
ومن باب الثناء والمديح لا يبني مرتزق المديح علاقة صادقة مع الجمهور، بل يبني مخزونًا من الثقة المؤقتة، ثم ينتظر لحظة تصريفه سياسيًا، فبعد اكتمال الدائرة المصنوعة يبدأ تحويل الولاء من معنى نبيل إلى سلعة معروضة في مزاد الخصوم، حيث يصبح المديح طُعمًا، والمتابعون رصيدًا، والتفاعل رأس مال، والحساب منصة قابلة للبيع لمن يدفع أكثر. فهذا الكائن المرتزق بعد أن يجمع الناس حوله باسم المحبة، يبيعهم باسم الرأي وحرية الانتقاد، فهو يراهم أرقامًا لا بشرًا، ونسب متابعة ومشاهدة لا مجتمعًا، ولأن السوق السياسي السري لا يسأل عن الضمير، فإن السعر وحده يصبح معيار التحول، ويغدو الضمير ورقة في مزاد يُوقّع على بيعه وشرائه مع كل دفعة جديدة.
أما شخصية هذا الطفيلي فليست شخصية ذات ضمير ورأي تبدّل بعد مراجعة، ولا ناقدًا شجاعًا اصطدم بحقيقة، فهو كائن براغماتي فجّ، بلا منظومة أخلاقية، يتلوّن كما تتلوّن الحرباء، فهو يمدح بإفراط حين يكون المديح مربحًا، ويهاجم بشراسة حين يصير الهجوم أعلى سعرًا. وحين ترصده، تجده لا يبني حجة، بل يصنع ضجيجًا، ولا يقدّم معرفة، بل يتمعّر وجهه انفعالًا، وكل انتقالٍ له من الثناء إلى الطعن لا يمر عبر تفكير أو دليل أو تجربة معلنة، بل عبر قفزة مسرحية تكشف أن بوصلته غير الأخلاقية تنتظر تحويلًا بنكيًا.
وهكذا يعمل الاختراق الناعم الذي لا يجرؤ على كسر الباب، بل يستأجر مفتاحًا عاطفيًا استأجر ضميره بحفنة مال، وتدرك الجهات المعادية والخصوم ثمن هذه الأدوات الرخيصة، فهي لا تحتاج دائمًا إلى منابر رسمية أو بيانات خشنة للمواجهة، بل إلى أصوات جماهيرية تبدو مستقلة بوجوه مألوفة ذات حسابات صنعت ألفتها داخل الجمهور المستهدف. لذلك يصبح المرتزق الرقمي أداة حرب في كتيبة القوة الناعمة فبعد أن يخترق الوجدان من الداخل، يبدأ في تلويث النقاش العام، وصناعة وهم الموجة، وإثارة نقاط الانفعال في المجتمع.
ومع هذا، ينبغي علينا -مع خطورة الظاهرة- ألا نسقط في فخ التخوين الأعمى، فليس كل ناقد مرتزقًا، وليس كل من غيّر رأيه خائنًا، وليس كل مديح احتيالًا. والفرق هنا يظهر في النمط لا في العبارة المنفردة، فالمحب الحقيقي لا يبتزك بعاطفته، والناقد البناء يملك موضوعًا وأدلة وحدودًا ومسؤولية، أما 'التيس السياسي المستعار' فيبالغ في كل اتجاه، ويقفز بلا تفسير، ويتزامن خطابه مع موجات مشبوهة، ويستعمل مفردات معلبة جاهزة.
وعليه، ربما نحتاج إلى وصفة مناعة تبدأ بالسؤال: من هذا؟ كيف نما؟ ماذا يريد؟ من يموله؟ لماذا يبالغ؟ ولماذا انقلب الآن؟ لا أن نمنح الثقة لمن يفرط في المدح حتى يبدو وكأنه أحرص علينا منا. ومن جهة أخرى، ينبغي تفعيل الوعي عند التفاعل مع هؤلاء فبعض الردود وقود، وبعض الاقتباسات إعلان مجاني، وبعض المعارك الرقمية لا تربح فيها إلا الخوارزمية والمرتزق معًا.
ومع كل هذا، فمن المؤكد أن الطفيليات السياسية الرقمية ستسقط، فالوعي لا ينام والعين اليقظة تميز بين كلمة صادقة خرجت من ضمير، وكلمة لامعة خرجت لتنتظر من يدفع أكثر.
عجبتُ لمن تجارته ضميره.. تارة يبيعه وتارة يُعيره..










































