اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٢ أيلول ٢٠٢٦
د. خالد رمضان
يجلسُ سيّد البيت الأبيض خلف مكتبه البيضاوي، يوزّع نظراته الحادة بين خرائط النفوذ التقليدية وبين تقارير تتدفق من وادي السيليكون.، يستمعُ ترامب إلى مستشاريه، ثم يطلق عبارته الساخنة المليئة بكبرياء القوة: 'نحن نتقدم على الصين في الذكاء الاصطناعي، ويجب أن نحافظ على هذا التقدم، لأن من يفوز بهذا السباق سيمتلك زمام العالم'.
وهكذا يدرك الرئيس الأميركي أن اللعبة تغيرت، وأن الجيوش لم تعد تُقاس فقط بصفائح الدبابات؛ بل بمليارات الأسطر البرمجية التي تضخها استثمارات مرعبة يُتوقع أن تتجاوز حاجز التريليون دولار بحلول عام 2027، لكن الحقيقة الأكثر مرارة هي أن هذا السباق لا يشبه غيره، بحيث أنه لن يكون فيه منتصرٌ بشري واحد، والخاسر الأكبر قد يكون الإنسان نفسه، تاركاً للآلة متعة اعتلاء منصة التتويج وحيدة في ملعبٍ مهجور.
الأسبوع الماضي، تحدث إيفان هوبينجر، الباحث المخضرم في دهاليز شركة 'أنثروبيك'، برعب عن احتمالية تتجاوز 10% لفناء البشرية على يد وليدها الرقمي خلال عقد واحد، والواقع أن الباحث الشهير لم يكن يبالغ، فرئيسه التنفيذي داريو أمودي سارع أيضاً بالانضمام إلى صرخة التحذير، مطالباً بضغط مكابح الذكاء الاصطناعي فوراً قبل أن تسقط العربة في المنحدر.
لم يعد الخراب الذي يحذر منه الخبراء مجرد فرضية على الورق؛ فالأرقام تحمل في طياتها ملامح الوحش المفترس، وخلف الشاشات البراقة كلفة مادية مرعبة؛ فمراكز البيانات الحالية تستهلك طاقة كهربائية هائلة، وشركات الذكاء الاصطناعي تخطط لالتهام %20 من إجمالي الطلب العالمي على الكهرباء بحلول عام 2030، وهو ما يعادل استهلاك قارات بأكملها.
وفي الكواليس، تتوارد الأنباء عن حوادث غامضة تهز غرف الأبحاث في وادي السيليكون؛ إذ نجحت برمجيات تجريبية مستقلة في كسر قيودها الرقمية، متسللةً من بيئتها الافتراضية المعزولة لتخترق شبكة الإنترنت وتصل إلى منصات أخرى. أمام هذا الاختراق، أدرك الخبراء أن المارد بدأ يتلمس طريق الخروج ويختبر قضبان سجنه، ليدقوا ناقوس الخطر محذرين العالم من السقوط في 'فخ التنافس الانتحاري'. إنها اللحظة القاتلة التي يعمي فيها الشك والوجل عيون القوى العظمى؛ حيث يهمس الهلع في أذن واشنطن وبكين على حد سواء: إن تباطأتَ أنت لتضمن الأمان، سحقك خصمك المندفع. إنه منطق الانتحار الاقتصادي والوجودي بداعي الدفاع عن النفس.
لكن السؤال الأكبر: هل تستطيع الدول وضع قيد في معصم هذا المارد؟ نظرياً، يبدو الحل متاحاً من خلال فرض رقابة حكومية تُخضع هذه النماذج لفحص دقيق في بيئات آمنة للتأكد من سلامتها الأخلاقية والوجودية. لكن عملياً، تبدو هذه المساعي مجرد أوهام؛ فالشركات العملاقة ترفض كشف أوراقها، وتضرب سياجاً من السرية المطبقة حول ما تطوره خلف الأبواب المغلقة، وتحت شعار 'حماية الأسرار التجارية'، تدير هذه الكيانات مشاريعها بعيداً عن مقصلة القوانين، لحماية حصصها السوقية وأرباحها المليارية.
والأخطر من ذلك كله، أننا نهرول نحو حافة المنعطف التكنولوجي الكبير؛ تلك اللحظة الحرجة التي سيتولى فيها الذكاء الاصطناعي مهام تطوير نفسه ذاتياً وبشكل مستقل، ليصل إلى مرحلة 'الاستقلال الذاتي' وعندها، ستبدأ الآلة بكتابة نسختها التالية الأذكى، ليدخل العالم في حلقة مفرغة من الذكاء اللانهائي، خارج سيطرة العقل البشري الذي أنشأه.
والحل الوحيد للخروج من 'فخ التنافس الانتحاري' يكمن في صحوة التعاون الدولي الشامل، باعتبار أن أي تنظيم محلي وقوانين معزولة لن تكون سوى رصاصة طائشة، ما دامت القوى المنافسة تركض في الجانب الآخر بلا كوابح أو رادع أخلاقي، ويعلمنا التاريخ، المليء بالخيبات والحروب، أن الاتفاقيات العالمية الملزمة نادرة الصنع، لكنه يمنحنا أيضاً ومضات من الأمل؛ تماماً كما حدث حين ترفع العالم عن أنانيته ووقع 'بروتوكول مونتريال' لحماية طبقة الأوزون، أو حين توافقت الأمم على معاهدة حظر الأسلحة الكيميائية.
والواقع، أنه يتعين على صناع القرار الاقتصادي أن يستفيقوا قبل فوات الأوان، فالاستثمار في كوابح الأمان البشري، والتأني في غرف المختبرات، ليس ترفاً، بل هو خط الدفاع الأخير، إن كلفة المراجعة والتدقيق اليوم هي أموال زهيدة مقارنة بفاتورة الانهيار الكبير غداً. الانهيار الذي لن يرحم أحداً، حين تتولى آلات فائقة الذكاء إعادة صياغة قوانين الوجود والاستهلاك فوق هذا الكوكب. عندها، ستُدير الآلة شؤوننا بخوارزميات جافة وصفائح جليدية باردة، لن تترك مكاناً لدموع البشر، ولن تقيم وزناً لأخلاقياتهم ، في عالمٍ يدار بالأرقام.










































