اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة البلاد
نشر بتاريخ: ٢٩ تموز ٢٠٢٦
تكتسب الشخصيات الاجتماعية مكانتها، بما تقدمه لمجتمعها من أثر، لا بما تحمله من ألقاب، أو بما تنتمي إليه من أنساب. فالمكانة الموروثة قد تمنح صاحبها القبول، لكنها لا تضمن له الاحترام؛ إذ يبقى العمل الصالح، وحسن السيرة، والقدرة على خدمة الناس، هي المعايير التي تحفظ المكانة، وتعززها عبر الزمن.
وبرحيل الشيخ أحمد بن معيض بن خلف الدهيسي المالكي، شيخ قبائل بني دهيس من قبائل بني مالك، فقدت المنطقة أحد رجالاتها، الذين ارتبطت أسماؤهم بالإصلاح بين الناس، وتعزيز التلاحم الاجتماعي، ورعاية المبادرات الخيرية والعلمية، وهي أدوار جسد من خلالها مفهوم المشيخة؛ بوصفها مسؤولية قبل أن تكون مكانة اجتماعية.
ينتمي إلى أسرة عريقة ذات حسب ونسب، وتولى مشيخة بني دهيس، غير أن ما رسخ مكانته في نفوس الناس لم يكن الموروث وحده، وإنما ما أضافه إليه من عمل دؤوب، ورجاحة رأي، وحرص على خدمة مجتمعه. فالمكانة تُورث، أما المحافظة عليها فلا تكون إلا بحسن السيرة، والصدق في التعامل، وكسب ثقة الناس.
وخلال عملي مراسلًا لهذه الصحيفة في منطقة بني مالك بمحافظة ميسان، سنحت لي فرصة لقاء الشيخ أبي فيصل في عدد من المناسبات العامة، كما شهدت حضوره في المجتمع المحلي. وكان من السهل أن يلحظ المرء أن ما يتناقله الناس عنه لم يكن مبالغة، بل صورةً تعكس واقعًا عرفه كل من تعامل معه؛ فقد عُرف بحسن الاستقبال، وسعة الصدر، ولين الجانب، وإكرام الضيف، وهي خصال جعلت مجلسه مقصدًا، ورسخت مكانته في محيطه الاجتماعي.
وقد أدرك الراحل أن المشيخة لا تكتمل إلا بالقيام بحقوقها، فكان حاضرًا في مساعي الإصلاح، وتقريب وجهات النظر، ورأب الصدع، مستثمرًا ما حظي به من ثقة واحترام في خدمة المجتمع، وإطفاء أسباب الخلاف، وتعزيز روح التآلف بين الناس.
وامتد عطاؤه إلى ميادين الخير والتنمية المجتمعية؛ فدعم جائزة سنوية لحفظ القرآن الكريم، ورعى جائزة التفوق العلمي لتكريم المتفوقين من أبناء وبنات المنطقة، واستضاف لقاء التعارف السنوي لبني مالك، إلى جانب مبادرات خيرية وإنسانية واجتماعية عديدة، ظل يقدمها بصمت، إيمانًا منه بأن بناء الإنسان، وترسيخ القيم، وتعزيز أواصر التكافل، هي الركائز الحقيقية لاستقرار المجتمع.
ولم يكن مجلسه مكانًا لاستقبال الضيوف فحسب، بل كان مجلسًا يجمع الناس، ويقرب بينهم، ويؤكد ما عُرف عنه من كرم، وسماحة، وحسن خلق، وهي صفات اكتسبت قيمتها لأنها كانت سلوكًا ثابتًا، لا مظهرًا اجتماعيًا عابرًا.
وتؤكد سيرته أن الزعامة الاجتماعية ليست امتيازًا يورث، وإنما أمانة تُؤدى. فالأسرة العريقة تمنح صاحبها مكانة، لكن العمل وحده هو الذي يحفظها، ويجعلها مصدرًا للنفع العام، وهو ما جسده الراحل طوال مسيرته.
كما كان من مظاهر الوفاء والتقدير له أن وُثِّقت سيرته وإنجازاته في كتاب حمل عنوان'الشيخ أحمد بن معيض الدهيسي المالكي.. مسيرة وإنجاز'. وقد صدر هذا الكتاب في حياة الراحل، ليكون شاهدًا على ما قدمه من أعمال ومبادرات، وحافظًا لذاكرة مرحلة زاخرة بالعطاء وخدمة المجتمع. ولعل هذا الكتاب جدير بأن يُعاد نشره في طبعة جديدة، وأن يُستكمل بما يستجد من شهادات ووثائق ومقالات كتبته عنه حتى بعد وفاته؛ ليبقى مرجعًا يوثق سيرة رجل ترك أثرًا خالدًا في مجتمعه، ويعرّف الأجيال القادمة بإسهاماته في الإصلاح وخدمة المجتمع .
لقد رحل، وبقيت سيرته شاهدًا على أن الأثر الصالح هو الباقي، وأن خدمة المجتمع، والإصلاح بين الناس، وحسن السيرة، هي الإرث الذي لا ينقطع برحيل أصحابه.
ولئن غاب بجسده، فإن ما تركه من سيرة طيبة، وذكر حسن، ورصيد من المحبة والاحترام، يمثل إرثًا معنويًا كبيرًا، لا يقل قيمة عن أي إرث آخر. وهو إرث يحمل في طياته مسؤولية المحافظة على ما بناه عبر سنوات من العمل والإصلاح وخدمة المجتمع. ولا يساورني شك في أن أبناءه، وقد نشأوا في مدرسة والدهم، يدركون قيمة هذا الإرث، وأن فيهم- بإذن الله – من يواصل هذه المسيرة، ويحافظ على تلك السمعة الطيبة، ويضيف إليها من عمله وعطائه، وفاءً لنهج والدهم، واستمرارًا لما غرسه في أسرته ومجتمعه.
رحم الله الشيخ أحمد بن معيض الدهيسي، وغفر له، وجزاه عن دينه ووطنه ومجتمعه خير الجزاء، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.
(إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ).










































