اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٧ كانون الثاني ٢٠٢٦
حسين بن حمد الرقيب
لطالما كان النفط هو الراوي الأول لحكاية الاقتصاد السعودي. ترتفع أسعاره فترتفع معها الأسواق، وينخفض البرميل فتتراجع المؤشرات. علاقة بدت لسنوات طويلة بديهية، حتى كادت تُعامل كقانون اقتصادي غير قابل للنقاش. لكن البيانات الحديثة، حين تُقرأ بهدوء بعيدًا عن الانطباعات، تروي اليوم قصة مختلفة.
خلال أكثر من عامين، تُظهر تحليلات معامل الارتباط أن السوق المالية السعودية لم تعد تتحرك بالوتيرة نفسها مع أسعار النفط. العلاقة التي كانت تاريخيًا قوية ومباشرة أصبحت ضعيفة، وأحيانًا شبه غائبة. وهذا التحول ليس تفصيلًا إحصائيًا عابرًا، بل مؤشر على تغيّر أعمق في بنية الاقتصاد وطبيعة السوق.
اللافت أن هذا التراجع في الارتباط تزامن مع واحدة من أكثر الفترات تقلبًا في أسواق الطاقة عالميًا. ورغم ذلك، لم تنعكس هذه التقلبات بشكل مباشر على أداء السوق السعودية كما كان يحدث سابقًا. ما الذي تغيّر إذن؟
الإجابة تكمن في الاقتصاد المحلي. تنويع القاعدة الاقتصادية، وتوسع القطاعات غير النفطية، وتحسن أداء البنوك، ونمو الخدمات، وزيادة الإنفاق الاستثماري، كلها عوامل أصبحت تلعب دورًا محوريًا في توجيه حركة السوق. لم يعد المستثمر يراقب شاشة أسعار النفط وحدها، بل بات ينظر إلى مؤشرات النمو، والنتائج الفصلية، والسياسات المالية، وحجم السيولة المتدفقة في السوق.
هذا التحول لا يعني أن النفط فقد مكانته في الاقتصاد السعودي، فهو لا يزال عنصرًا مؤثرًا في المالية العامة وفي الصورة الكلية. لكنه يعني أن السوق لم تعد أسيرة لحركته اليومية. الاقتصاد بات أكثر قدرة على امتصاص الصدمات الخارجية، وأكثر اعتمادًا على محركات داخلية طويلة الأجل.
كما يعكس هذا الانفصال النسبي نضجًا في سلوك المستثمرين، خصوصًا مع تزايد دور المستثمر المؤسسي المحلي، وارتفاع الوعي الاستثماري، وتغير طبيعة التقييم من المضاربة قصيرة الأجل إلى التركيز على الأساسيات.
ربما لا يمكن الجزم بأن فك الارتباط كامل أو دائم، فالنفط سيبقى جزءًا من المشهد الاقتصادي. لكن المؤكد أن السوق السعودية لم تعد تتحرك بعاطفة البرميل وحده. وما نشهده اليوم قد يكون أحد أوضح الشواهد على انتقال الاقتصاد من مرحلة التبعية إلى مرحلة التأثير الذاتي، حيث يقود الداخل مسار السوق، لا الخارج.










































