اخبار الاردن
موقع كل يوم -سواليف
نشر بتاريخ: ٣٠ أذار ٢٠٢٦
عندما تكون السعادة أكثر من مجرد شعور – ترجمة ماجد دودين
لقد مرت بضعة أيام منذ أن احتفلنا جميعاً بعيد الفطر، لكنني أردت أن أشارككم شيئاً بقي عالقاً في ذهني منذ ذلك اليوم.
بعد صلاة العيد، وجدت نفسي أراقب الناس أكثر من المعتاد.
كانت العائلات تخرج معًا ويبدو عليها السعادة. كان الناس يتبادلون التحية بحرارة، وكان هناك شيء مّا في وجوه من حولي جعلني أتوقف وأفكر. سعادة يوم العيد لا تشبه السعادة العادية. لدينا مناسبات سعيدة طوال الوقت. أعياد ميلاد، وحفلات زفاف، وتجمعات، ونزهات ورحلات. لكن هذه المرة كانت مختلفة. كان هناك نوع من السعادة المشتركة في الأجواء، كما لو أن الناس يحملون نفس الفرح معًا. كان شعورًا أنقى وأرقى وأحلى …وأتذكر أنني تساءلت وفكّرت في نفسي، هل كان هؤلاء الناس أنفسهم سيبدون بهذه السعادة في اليوم السابق؟
ربما كان بعضهم سيفعل ذلك. لكن مع ذلك، كان العيد مختلفاً.
وهذا ما جعلني أفكر.
ما هي هذه السعادة حقاً؟ من أين تأتي؟ ولماذا تبدو وكأنها تنزل في يوم مثل عيد الفطر بطريقة يمكنك أن تراها تقريباً على وجوه جميع الناس؟
كلما فكرت في الأمر، ازداد يقيني بأن ما أراه ليس مجرد فرحة بمناسبة عابرة، بل هو فرحة أناسٍ اجتازوا شهراً كاملاً مع الله جلّ وعلا وتقدّس. شهرٌ من الصيام والصلاة والجوع والانضباط وقراءة القرآن والتوبة والسهر والدعاء الخاشع والمحاولة الدؤوبة. ثم يأتي العيد، فيُفتح شيءٌ ما، ويشعر القلب براحةٍ أكبر، وتنعكس هذه الراحة على الوجه. جعلني هذا أفكر أن بعض السعادة لا تنبع من الظروف وحدها، بل من فضل الله الذي يرزق القلب سعادة لها طعم خاص بعد الطاعة.
وبقيت تلك الفكرة عالقة في ذهني.
ما نسعى إليه حقاً
قادني ذلك إلى سؤال أعمق حول السعادة بشكل عام. نستخدم هذه الكلمة باستمرار، فالعالم يتحدث عنها بلا انقطاع. الجميع يريد أن يكون سعيدًا، والجميع يتحدث عن إيجاد السعادة وبناء حياة سعيدة. لكن لو فكرنا في الأمر مليًا، لوجدنا أننا لا نستيقظ كل يوم ونحن نفكر: أريد أن أكون سعيدًا اليوم. لا أعتقد أن معظم الناس يفعلون ذلك.
بدلاً من ذلك، نستيقظ ونحن نفكر فيما يجب علينا فعله. العمل، والفواتير، والعائلة، والصحة، والمواعيد، والمشاكل، والخطط. والأشياء التي يجب إصلاحها، والأشياء التي يجب تجاوزها.
لذا ربما يكون الحوار برمته غير متناسق بعض الشيء منذ البداية.
لأننا رغم قولنا إننا نريد السعادة، إلا أن حياتنا لا تسير على هذا النحو عادةً. فنحن لا نستيقظ عادةً ونحن نسعى وراء السعادة مباشرةً، بل نستيقظ ونحن نسعى وراء أشياء نعتقد أنها ستؤدي إلى الحصول على الشعور بالسعادة.
لنأخذ الثروة كمثال. معظمنا لا يرغب في المال لمجرد امتلاكه، بل نرغب فيما نعتقد أن المال سيحققه. نعتقد أنه سيزيل التوتر، ويخفف المعاناة، ويخلق الراحة، ويمنحنا خيارات، ويصون كرامتنا، ويجعل الحياة أسهل. بعبارة أخرى، نربط السعادة به. وينطبق الأمر نفسه على النجاح، والتقدير، والزواج، ونمط حياة معين، أو حتى مجرد تجاوز مشكلة ما. غالبًا لا نسعى وراء السعادة بحد ذاتها، بل نسعى وراء أشياء ربطناها بها ضمنيًا.
وهنا بدأت أشعر بأن المشكلة الحقيقية ربما لا تكمن فقط فيما إذا كنا نتمتع بالسعادة، بل فيما ربطناها به.
لأنني إذا ربطتُ السعادة بالثروة فقط، فسأسعى إليها بلا شك. وإذا ربطتُها بالإعجاب فقط، فستسيطر آراء الناس على حياتي الداخلية بشكل مفرط. على سبيل المثال، ينشأ المرء غير مرئي وغير مُقدّر، فيبدأ في ربط السعادة بالإعجاب. يرغب في أن يُلاحظ، وأن يُمدح، وأن يُختار. بعد سنوات، قد يحظى بالاهتمام والمتابعين والإطراء والإعجاب، لكن مزاجه يتأثر بردود فعل الآخرين. رد فعل بارد واحد كفيل بإفساد يومه، ونقد واحد كفيل بزعزعة ثقته بنفسه. ولأن السعادة كانت مرتبطة بالإعجاب، فقد سلّم مفاتيح حياته الداخلية للآخرين.
كيف يعيد القرآن صياغة مفهوم السعادة؟
وهنا بدأت أفكر في الآيات القرآنية التي تتحدث عن السعادة.
يتحدث القرآن الكريم عن الفرح والسرور والراحة والحياة الطيبة والإشراق والبهجة، لكنه لا يتحدث عن السعادة كما يتحدث عنها العالم. بل يُشير الله تعالى إلى فضله ورحمته، ويُخبرنا أن القلوب تطمئن بذكره، ويعد المؤمن بحياة سعيدة. وعندما يصف الصالحين في الآخرة، يصف وجوهاً تفيض بالبهجة والإشراق والسرور والقبول.
إذن، القرآن لا يتجاهل السعادة، بل يعلمنا أين يوجد مكانها الصحيح.
كان ذلك إدراكاً مهماً بالنسبة لي.
لأن العالم قد دربنا على ربط السعادة بالملكية والراحة والحرية والنجاح والمتعة والإنجاز المرئي. لكن القرآن الكريم يربط كل ذلك بالله سبحانه، وبرحمته، وبذكره، وبهدايته، وبطاعته، وبحال القلوب، وبالآخرة. وهذا تفكير مختلف تماماً.
ولعلّ هذا هو المكان الذي نحتاج فيه حقًا للتوقف. لأنّ الكثير منّا ربما لم يعمل فعليًا على ما نربطه بالسعادة. نحن نعمل على كل شيء آخر: وظائفنا، وأهدافنا، ومنازلنا، وصورتنا. ولكن كم منّا يجلس حقًا ويسأل نفسه عمّا درّبنا قلوبنا على الاحتفاء به؟
ماذا لو بدأت أربط السعادة بالأشياء التي أخبرني الله أنها تجلب الخير؟ على سبيل المثال، ماذا لو درّبت نفسي على اعتبار المواظبة على الصلاة مصدرًا للسعادة؟ ماذا لو أصبح قربي من القرآن جزءًا من سعادتي؟ ماذا لو أصبح قربي من الله مصدرًا للفرح والبهجة؟ سيغير ذلك الكثير، أليس كذلك؟
لأنني حينها لن أسعى فقط وراء ما يمليه عليّ العالم، بل سأحاول إعادة تشكيل بوصلتي الداخلية.
وأعتقد أن هذا الأمر أهم مما ندرك.
نوع الفرح الذي تتركه العبادة
هناك نوع من البهجة ينبع من طاعة الله تعالى، ويدركه من يسعى للتقرب إليه، وإن لم يستطع دائمًا شرحه شرحًا وافيًا. ليست هذه البهجة دائمًا عاطفية ظاهرة، بل هي أحيانًا شعور بالسكينة، وأحيانًا أخرى شعور بالسكينة الداخلية، وأحيانًا أخرى شعور بالارتياح لمعرفة أن شيئًا ما في داخلي في حال أفضل، حتى وإن كانت الحياة من حولي مضطربة. وهذا ليس بالأمر الهين. يذكرني هذا بابن تيمية حين سُجن فقال – ماذا عسى أعدائي يصنعون بي، أنا جنتي وبستاني في صدري، أينما ذهبت فجنتي معي لا تفارقني، إنّ حبسي خلوة، ونفييّ سياحة وقتلي شهادة '. هذا هو الغنى الداخلي الذي لا يدركه العالم، لأنه لا يقوم على الراحة أو الظروف، بل على ما أودعه الله في القلب.
ثمّ دفعني هذا للتفكير: إذا كان شهرٌ من العبادة قادرًا على إنتاج هذا النوع من الفرح الظاهر (والمنحة)، فهل يبقى شيءٌ منه بعد العيد؟ ليس العيد نفسه، لأنّ العيد عيد، ورمضان رمضان، ولكن هل يبقى شيءٌ من تلك السعادة الداخلية معنا في الأيام التي تليه؟
أعتقد أنه ممكن. على الأقل إلى حد ما.
ليس بمحاولة استعادة بهجة العيد، فهي ستتلاشى. بل بالتمسك ببعض ما جلب تلك الحلاوة في المقام الأول. فإذا بقيت الصلاة، بقي شيء من السعادة. وإذا بقي القرآن، بقي شيء. وإذا بقي الدعاء، بقي شيء. وإذا بقي الجهد لضبط النفس، بقي شيء. وهكذا.
نقطة جوهريّة مركزيّة وهامة
وهنا تذكرت حديثًا نبويًا شريفاً عن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، قال فيه: ((من كانتِ الآخرةُ هَمَّهُ جعلَ اللَّهُ غناهُ في قلبِهِ وجمعَ لَه شملَهُ وأتتهُ الدُّنيا وَهيَ راغمةٌ، ومن كانتِ الدُّنيا همَّهُ جعلَ اللَّهُ فقرَهُ بينَ عينيهِ وفرَّقَ عليهِ شملَهُ، ولم يأتِهِ منَ الدُّنيا إلَّا ما قُدِّرَ لَهُ)). الراوي: أنس بن مالك | المحدث: الألباني | المصدر: صحيح الترمذي – الصفحة أو الرقم: 2465 | خلاصة حكم المحدث: صحيح- التخريج: أخرجه الترمذي (2465) واللفظ له، وابن أبي الدنيا في ((الزهد)) (332)، والحارث في ((المسند)) (1092)
الاشتغالُ بالآخرةِ، دارِ القَرار،ِ سببُ السَّعادةِ والفوزِ بنَعيمِ اللهِ عزَّ وجلَّ، ولا يَنقُص من الرِّزق شَيئًا، والاشتِغالُ بالدُّنيا الفانيةِ يُورِثُ الهُمومَ ويُفرِّقُ الشَّملَ ولا يَزيدُ من الرِّزقِ شيئًا.
وفي هذا الحَديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم: 'مَن كانَتِ الآخِرةُ همَّه'، أي: أهَمَّ ما يَشغَلُه وكانتْ هي قَصْدَه في عمَلِه وحياتِه في الدُّنيا، 'جعَل اللهُ غِناه في قلبِه'، أي: رزَقه الكِفايةَ وقنَّعه بما في يدِه، فيكونُ مُستغنِيًا باللهِ عن النَّاسِ، ولا يَطمَعُ في أحَدٍ، 'وجمَع له شَمْلَه'، أي: وكانَت أمورُه المتفرِّقةُ مُجتمِعةً بإذنِ اللهِ، ويسَّر له كلَّ شيءٍ، 'وأتَتْه الدُّنيا وهي راغِمةٌ'، أي: وتأتيه الدُّنيا وهي ذَليلةٌ؛ لأنَّه لم يتَطلَّعْ إليها، 'ومَن كانت الدُّنيا همَّه'، أي: كانت قصْدَه وشُغلَه، وكان غرَضُه مِنها اتِّباعَ الشَّهواتِ، 'جعَل اللهُ فقْرَه'، أي: جعَل اللهُ احتِياجَه 'بينَ عينَيْه'، أي: أمامَه ولو كان مِن الأغنياءِ، 'وفرَّق عليه شَمْلَه'، أي: شتَّت عليه أمرَه فتتشعَّبُ عليه أمورُ الدُّنيا، 'ولم يأتِه مِن الدُّنيا إلَّا ما قُدِّر له'، أي: لَم يُحصِّلْ مِنْها رُغمَ هذا السَّعيِ فيها إلَّا ما قد كتَبه اللهُ عزَّ وجلَّ له.
وفي الحديثِ: الترغيبُ في الاهتِمامِ بالآخِرةِ والإقبالِ عليها، والحَثُّ على الزُّهدِ في الدُّنيا والإعراضِ عنها.
لطالما وجدت هذا الحديث مؤثرًا جدًا لأنه يتناول جوهر الأمر، فهو يتحدث عما هو محور حياة الإنسان، وما يصبح أهم شيء فيها، وما يدور حوله كل شيء. لذا، ربما لا تكمن المشكلة في رغبتنا بالسعادة، بل في أننا نستمر في وضع الأمور الخاطئة في المقام الأول، ثم نتساءل لماذا يبقى القلب مضطرباً.
أعظم سعادة
ثم هناك الآخرة، التي تضع كل هذا في إطار أكبر بكثير.
إن وصف القرآن للسعادة في ذلك اليوم يتجاوز كل تصور. إنها ليست سعادة يوم جميل، وليست سعادة الحصول على ما تمنيت لفترة وجيزة، بل هي سعادة النجاح بعد أعظم اختبار، والأمان بعد أعظم خوف، والرحمة بعد أعظم شك، وقبول الله في اليوم الذي لا قيمة فيه لأي شيء آخر. وكما يخبرنا القرآن، في ذلك اليوم ستشرق وجوه، وستمتلئ وجوه أخرى بالبهجة، وسيدرك البعض معنى الوصول الحقيقي، وفي الوقت نفسه سيشعر آخرون بندم لا يوصف.
وإن كنتُ صادقًا، فهذا من أغرب ما فينا. نقضي وقتًا طويلًا في التفكير في متع الدنيا الزائلة، ووقتًا قليلًا في التفكير في نعيم الآخرة الأعظم. نبذل جهدًا كبيرًا في توفير الراحة هنا، بينما لا نكاد نتوقف لنسأل أنفسنا كيف نريد أن نكون في ذلك اليوم الذي ستشرق فيه الوجوه أو تذبل.
إن مجرد التفكير في ذلك كفيل بتغيير شخص ما.
طرح الأسئلة الصحيحة
كلما فكرت في هذا الأمر أكثر، أدركت أن إعادة تعريف السعادة ليست مجرد فكرة جميلة، بل إنها تُغير فعلاً طريقة عيشنا، وما نسعى إليه، وما نغبط عليه، وما نحتفل به، وما نسميه نجاحًا، وما نسميه خسارة. كما أنها تُغير مدى تأثير الدنيا علينا.
ولهذا السبب فإن طرح الأسئلة الصحيحة أمر بالغ الأهمية.
لا ينبغي أن يكون السؤال الوحيد هو كيف يمكنني أن أكون أكثر سعادة؟
لكن ما الذي علّقت به السعادة؟ ما الذي أعتقد حقاً أنه سيُريحني في النهاية؟
ماذا أتوقع من الدنيا أن تفعل لي؟ ماذا لو كان بعض ما أسميه سعادة مجرد راحة مؤقتة؟
ماذا لو أخبرني الله بالفعل أين يكمن الخير الأعمق في هذه الحياة؟ أي نوع من السعادة أسعى إليه حقاً؟
المكان الذي هبطت فيه
لا أقول هذا من منطلق معرفة كل شيء، على الإطلاق. هذا ما خطر ببالي بعد العيد. لاحظتُ شيئًا على وجوه الناس، ولم يفارقني. جعلني أفكر أن السعادة ربما ليست شيئًا نفهمه كما نظن. ربما تقبّلنا تعريف العالم لها بسهولة بالغة. ربما نحتاج إلى التشكيك فيه أكثر. ربما نحتاج إلى إعادة تأهيل قلوبنا بجدية أكبر.
لأن ما رأيته ذلك الصباح لم يكن يبدو مصادفة. بدا وكأنه ثمرة شيء ما. وربما كانت تلك هي النقطة التي كنت بحاجة للوصول إليها. أحيانًا لا نجد السعادة بالسعي وراء ما علّمنا العالم أن نسعى إليه. أحيانًا يبدأ الأمر عندما نتوقف ونسأل أنفسنا ما إذا كنا نبحث عن السعادة في الأماكن والمواطن الصحيحة.












































