اخبار الاردن
موقع كل يوم -جو٢٤
نشر بتاريخ: ١٩ أذار ٢٠٢٦
تسمية 'حرب أيران' على قناة المملكة إذ تكشف معضلات السياسة ومأزق الاعلام والنخب #عاجل
كتب - د. عبدالحكيم الحسبان
اختار الزملاء في قناة المملكة -التي شاءت الاقدار أن أكون زميلا وصديقا شخصيا للعديد منهم- تسمية 'حرب إيران' لتكون بمثابة الخلاصة والتوصيف والرؤية لما يجري في المنطقة من أحداث منذ الثامن والعشرين شهر شباط الفائت يوم شنت الولايات المتحدة الاميركية والكيان الصهيوني عدوانا موصوفا على الجمهورية الايرانية لتغرق المنطقة كلها في دوامة من العنف والقتل والتدمير.
في علوم اللغة والاجتماع والانسان لا يمكن لأي لفظة أو عبارة أو مماسة خطابية أن تكون مجرد منطوق كتابي أو صوتي يمكن المرور عليه، وكأنه حدث ينتمي للعدم أو اللاشيئ أو الفراع. بل إن كل منطوق هو نتاج مادي لواقع مادي، كما ان كل منطوق يراد منه في كل الاحيان أن يكون قوة في إعادة تشكيل الواقع. والحال، فانني اجزم أن الزملاء في القناة قد فكروا كثيرا وناقشوا واستشاروا حتى جاء الحسم في اختيار تسمية 'حرب إيران' لتكون التسمية الرسمية التي تتبناها القناة، ما يعني أيضا أن هذه التسمية تمثل التوصيف المعتمد للجهات الرسمية التي تملك القناة وتديرها والتي يؤمل منها أن تملك قدرة اعادة تشكيل الوعي للمشاهد بكامل مشهد الحرب التي تدور منذ اسابيع في المنطقة.
في برومو أو تسمية 'حرب إيران' ثمة شي يناقض منطق اللغة ناهيك عن منطق الوقائع على الارض. فالحرب لجهة أنها فعل سياسي كما هو حال أفاعيل الاشتباك، والصراع، والتنافس التي تشكل كلها أفاعيل ضمن نطاق الحقل السياسي، فالحرب تفترض حكما أن يكون هناك وجود لطرفين فاعلين أو اكثر انخرطا في الفعل. وعليه، فإن تسمية 'حرب ايران' لا تقول لنا من هما طرفا الحرب أو من هي أطراف الحرب. وهي تحدد طرفا واحدا في؛ هو ايران ولكنها لا تكمل لتقول لنا من هو الطرف الاخر المشتبك مع إيران. هل هي حرب إيران مع نفسها، أم حرب إيران مع العالم كله، ام هي حرب للعالم مع ايران في سلسلة طويلة من الحروب كان اخرها هو حرب إيران. من يقرا التسمية والتوصيف ويكتفي به فلن يعرف اطراف الحرب، ولا حدودها ولا أهدافها.
ثمة شعور أن من قرر التسمية قد جهد واجتهد كثيرا في محاولته الافلات من كمائن ومصائد السياسة والاعلام الكثيرة جدا في منطقتنا العربية واستطرادا في ساحتنا الاردنية. وكأن من قرر التسمية واكتفى باسم أيران في الحرب وتوقف عند اسمها ولم يكمل ليضيف اسم الاميركي الصهيوني أراد تجهيل اسم الفاعل الاميركي في هذه الحرب ناهيك عن أنه هو من كان قد خطط وبادر إليها. وكأن التسمية تبطن خوفا من اضافة كلمة الاميركي للتوصيف لتكون التسمية الحرب الاميركية الايرانية.
غياب كلمة اميركي للتسمية يوحي وكأن هناك خوف من ان اضافة اسم الاميركي الصهوني سوف يجعل المشاهد الاردني ما ان يقرأ كلمة اميركي في التسمية حتى يستحضر كل حروب المنطقة التي كان الاميركي بطلها. ففي كل حلقات مسلسل الحروب الحزينة التي عاشتها المنطقة اختلفت مواقع الحروب من فلسطين الى مصر والاردن و لبنان واليمن والعراق وسوريا لكن كان القاسم المشترك في كل هذه الحروب على المنطقة وعلى مدى سبعين عاما هو الاميركي الاسرائيلي.
ففي هذه المنطقة المبتلاة من العالم يمكن لك وبسهولة أن تستبدل التحقيب التاريخي مستغنيا عن الارقام التي تشير للسنين او العقود أو القرون لتضع مكانها حقبا باسماء لحروب اميركا الصهيونية على المنطقة نهبا للنفط والمال والمقدسات. فبدلا من الحديث عن الاربعينات يمكن لك ان تشير ألى حقبة النكبة وبدلا من الخمسينيات يمكن لك ان تتحدث عن حقبة العدوان الاميركي الصهيوني على مصر، وبدلا من استخدام لفظة الستينيات من القرن العشرين يمكن بسهولة استخدام لفظة حقبة العدوان الاميركي الصهيوني على مصر والاردن وسوريا ولبنان، وبدلا من استخدام لفظة السبعينيات من القرن العشرين يمكنك بسهولة الحديث عن حرب اميركا والكيان على مصر ولبنان، وبدلا من استخدام رقم الثمانينات من القرن العشرين يمكن لك ان تقول حرب اميركا والكيان على لبنان والعراق، واما التسعينات فهي حقبة العدوان الاميركي والحصار القاتل على العراق. لتليها حقب من اسقاط الدول وليس الانظمة في العراق وليبيا والسودان وسوريا وهي كلها حروب اميركية بالسلاح والحصار السياسي والاعلامي.
وفي النتيجة فإن توصيف قناة المملكة للعدوان وبدلا من أن يملك القدرة على توضيح الحدث والمشهد الذي تعيشه المنطقة، فإنه يزيد من حالة التشويش والارتباك التي يعيشها الاردنيون والتي انتقلت إلى مستوى خطير من الاستقطاب بين الدولة وقواعدها الشعبية، وبين النخب المحسوبة والقريبة من الدولة وتلك التي لم تعتد التغريد معها. فمن يرقب ما يجري في الفضاء العام الاردني يدرك حجم الفارق بين التوصيف الذي قرره الزملاء في قناة المملكة وبين التوصيف الذي يسود بين القطاعات الواسعة من الاردنيين. وفي حين يمكن ملاحظة اتفاق عام لدى اوسع الشرائح على تسمية ما يجري في المنطقة على انه عدوان وحرب اميركية صهيونية على بلد اسلامي جار، فإن ثمة عموض وتشويش لدى الاردنيين وحتى نخبهم حول موقف الدولة الاردنية من هذه الاحداث.
ولعل واحدة من اسباب هذا الغموض وعدم القدرة على فهم الموقف الاردني من المشهد الذي يجري، هو غياب الخطاب الرسمي الواضح الذي يخرج للناس ليحدد السياسات والاسترتيجيات والتوجهات السياسية في الداخل كما نحو الخارج الإقليمي والدولي، وهو أمر كان من المفترض أن يجري منذ زمن وبصورة متواصلة. فلطالما كانت السياسة الخارجية للبلاد ومنذ عقود أشبه بالطلاسم، بالنظر إلى غياب الاستراتجيات والبنى المؤسسية المختصة التي تتواصل مباشرة مع الناس ومع النخب والتي تشرح كل موقف سياسي، كما تشرح كل تطور في التموضع الاردني على صعيد السياسة الخارجية.
وفي غياب سياسات خارجية واضحة لم تنجح الدولة في جعلها شفافة في عين النخب والعامة، فلطالما كان على الاردنيين ان يمارسوا الكثير من التفكير والتفكر كي يفهموا من هو العدو الذي قررته دولتهم ومن هو الصديق. وفي ظل غياب التعبيرات الرسمية الصريحة من رجالات الدولة الذي يحملون صفة رسمية التي تقول بمن هو الصديق ومن هو العدو فقد كان على الاردنيبن ان يعرفوا قائمة أصدقاء الدولة كما قائمة المصنفين في خانة اعدائها بالاستناد لما يقوله او يكتبه بعض المحسوبين على الدولة واجهزتها. فثمة خطاب سياسي لا يقول للاردنيين بوضوح من هو عدوهم ولا يقول لهم من هو صديقهم. وثمة خطاب سياسي يتعرض له الاردنيون لا يجرا ان يقول لهم وبكل الفم الملان من هو الشقيق .
والحال، فان ثمة خوف مزمن لدى صانع القرار من الوضوح في الخطاب السياسي الذي يتوجه للناس ولعل مرد هذا االخوف أن السياسة في تحديدها لقائمة الاعداء والاصدقاء للبلاد تبدو في واد، في حين أن الوقائع على الارض لجهة من هو عدو الاردن ومن هو صديقه في واد آخر. ولعل أكبر مثال على هذه المعضلة هو نمط العلاقة الاردنية الاميركية. ففي حين انضوت البلاد ومنذ عقود طويلة في الحلف الاميركي وتم تشكيل السياسات في البلاد بأعلى مستوى من الشراكة والانخراط في السياسات الاميركية والتي اقتضت معاهدة للسلام مع الكيان، فان كل هذا الانخراط يترافق مع كثير من الاذى في الاقتصاد كما في الصحة والتعليم. فالتحالف مع الاميركي جلب مديونية قياسية للبلاد، كما جلب اكثر من مليون عاطل عن العمل تختنق بهم وبغضبهم واحباطهم البلاد، كما أحال ملايين عديدة من االاردنيين ضمن قوائم الفقر او الفقر المدقع.
وما بين عالم السياسة وقرارته التي رأت في الاميركي حليفا وصديقا وما بين الوقائع على الارض التي تشير إلى ان كل أذى لحق بالمنطقة وبالبلاد كان الاميركي ورائه وصولا إلى مستويات من الاذى تتضمن تهديد الاردن والاقليم كله حين خرج سفير واشنطن في الكيان يتحدث أمام الكاميرا عن تعاطفه مع فكرة اقامة اسرائيل الكبرى، واذ سبقه رئيس بلاده ترامب حين كرر اكثر من مرة أن اسرائيل بلد صغير جدا في منطقة شاسعة جغرافيا. وما بين عالم السياسة وقراراتها وتحالفاتها وعالم الوقائع الميدانية على الارض، تتمظهر معضلة الاعلام والاعلامي الذي يجد نفسه أمام خيارات تهدد بالاطاحة به أو تهدد الاطاحة بالسياسات ذاتها التي يحاول تسويغها.












































