اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٧ أذار ٢٠٢٦
د. فهد محمد بن جمعة
في تطور غير مسبوق في تاريخ أسواق الطاقة، وجدت السوق النفطية نفسها أمام واحدة من أعنف الهزات التي شهدتها، فقد أعلنت وكالة الطاقة الدولية أن التصعيد العسكري في الشرق الأوسط تسبب في أكبر اضطراب لتدفقات النفط الخام في التاريخ الحديث، بعدما تحوّل ما كان يمر عبر مضيق هرمز، بنحو 20 مليون برميل يوميًا، إلى حالة شبه جمود، كما تعطلت حركة ناقلات النفط بشكل واسع، وتراجعت القدرة التصديرية لدول الخليج بصورة حادة، ما أجبر المنتجين في المنطقة على خفض إنتاجهم بأكثر من 10 ملايين برميل يوميًا، وبذلك لم تعد الأزمة مجرد تقلبات سعرية عابرة، بل تحولت إلى صدمة تهدد استقرار الإمدادات العالمية.
وتتجاوز خطورة هذه التطورات حدود اضطراب مؤقت في السوق. فإغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، أدى إلى شلل واسع في حركة النقل البحري. فقد علّقت شركات الشحن العالمية عملياتها بسبب المخاطر الأمنية المتصاعدة، إضافة إلى صعوبة الحصول على تغطية تأمينية للرحلات البحرية في منطقة باتت تُصنَّف عالية الخطورة. كما زاد التوتر الجيوسياسي من تعقيد المشهد بعد اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وما تبعه من تهديدات بإبقاء المضيق مغلقًا.
ولم تقتصر تداعيات الأزمة على تعطّل الملاحة البحرية، بل امتدت إلى حوادث أمنية طالت حركة ناقلات النفط في الخليج. فقد تعرضت عدة ناقلات لهجمات قرب سواحل العراق والكويت ودبي، ما أدى إلى تعطيل عمليات الشحن ورفع مستوى المخاطر في المنطقة. كما أُغلقت بعض الموانئ العراقية مؤقتًا بعد حادث تسرب نفطي واسع، وهو ما زاد من تعقيد حركة الصادرات النفطية.
في ظل هذه التطورات المتسارعة، قفزت أسعار النفط نحو 100 دولار، حيث أنهى خام برنت تداولات الأسبوع على ارتفاع 10.45 دولارًا، أو 11.27 %، إلى 103.14 دولارًا، فيما صعد غرب تكساس 7.81 دولارًا أو 8.6 %، الى 98.71 دولارًا. وفي الوقت نفسه تباينت تقديرات حجم العجز في الإمدادات العالمية؛ إذ قدّر بنك “سيتي” الفجوة بنحو 6 ملايين برميل يوميًا، في حين رجحت شركة «وود ماكنزي» أن يصل النقص إلى نحو 15 مليون برميل يوميًا، وهو ما يعكس حجم الاضطراب الكبير الذي تواجهه سوق النفط العالمية.
وأمام هذه الصدمة، تحركت وكالة الطاقة الدولية لإطلاق أكبر عملية سحب من المخزونات الاستراتيجية في تاريخها بنحو 400 مليون برميل بدعم من 32 دولة، في محاولة لتهدئة الأسواق. كما أعلنت الولايات المتحدة الإفراج عن 172 مليون برميل إضافية من احتياطياتها الاستراتيجية، إضافة إلى منح إعفاء مؤقت يسمح ببيع نحو 19 مليون برميل من النفط الروسي المخزن في آسيا.
ورغم هذه الإجراءات، لا تزال الأسواق تواجه حالة من القلق وعدم اليقين. فالأزمة لم تعد مجرد اضطراب مؤقت، بل قد تمثل لحظة مفصلية تعيد رسم خريطة الطاقة العالمية، في ظل ترقب مسار التطورات الجيوسياسية واحتمالات التهدئة أو اتساع نطاق الصراع.










































