اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة الوئام الالكترونية
نشر بتاريخ: ١ أيار ٢٠٢٦
اتجهت البنوك المركزية حول العالم إلى تعزيز احتياطياتها من الذهب، وهو استثمار يُعد آمنًا لكنه معقد من الناحية اللوجستية، وقد عاد إلى الواجهة بقوة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وتزايد المخاوف من التضخم.
وخلال العام الجاري، تجاوز سعر الذهب حاجز 5,000 دولار للأونصة الترويسية للمرة الأولى في التاريخ.
ويُعد أحد أبرز أسباب هذا الارتفاع — الذي أدى إلى تضاعف الأسعار خلال عام ونصف — هو الطلب القوي من الاقتصادات الناشئة، إذ كانت البنوك المركزية في كل من بولندا وتركيا والهند والصين من أكبر المشترين للذهب خلال السنوات الأخيرة.
وقد أبرزت الصدمة التي تعرض لها النظام المالي العالمي نتيجة الحرب في الشرق الأوسط مجددًا لجوء بعض البنوك المركزية إلى الذهب في أوقات الأزمات.
وبحسب بيانات مجلس الذهب العالمي، واصلت البنوك المركزية إضافة المزيد إلى احتياطياتها من الذهب منذ اندلاع الصراع في أواخر فبراير، بما في ذلك الصين وبولندا والتشيك وأوزبكستان.
ففي مارس، اشترى البنك المركزي الصيني كميات من الذهب هي الأكبر منذ أكثر من عام. كما اشترت غواتيمالا الذهب في الشهر نفسه للمرة الأولى منذ نحو ستة أشهر.
وقال آدم غلابينسكي، محافظ البنك المركزي البولندي، ردًا على أسئلة مكتوبة: إن “التطورات الأخيرة في السوق، المدفوعة بعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، عززت وجهة نظرنا بأن عدم الاستقرار أصبح السمة المميزة للاقتصاد العالمي”.
وأضاف: “أؤكد مجددًا أهمية تنويع الاحتياطيات الأجنبية ودور الذهب كأصل استراتيجي”.
ويُنظر إلى الذهب باعتباره مخزنًا جيدًا للقيمة في فترات ارتفاع التضخم، كما يمكن تسييله بسرعة عند حاجة الدولة إلى سيولة نقدية عاجلة.
والأهم من ذلك، أنه من الصعب على الدول الأخرى التدخل في احتياطيات الذهب عبر العقوبات، لأنه أصل مادي وليس التزامًا ماليًا مرتبطًا بعملة مثل الدولار أو اليورو، كما هو الحال مع السندات أو الودائع المصرفية.
وقد بدأ الاهتمام المتزايد بالذهب يتصاعد بشكل واضح عقب الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، عندما ردت الولايات المتحدة وأوروبا بفرض عقوبات جمدت احتياطيات روسيا في الخارج، مما حرم البنك المركزي الروسي من نحو 300 مليار دولار من الأصول، معظمها بالدولار واليورو، في تصعيد كبير استخدمت فيه القوى الغربية عملاتها كأداة ضغط.
ومنذ ذلك الحين، ارتفعت حيازات البنوك المركزية من الذهب بوتيرة سريعة، إذ أضافت أكثر من 1,000 طن متري سنويًا إلى احتياطياتها خلال ثلاث سنوات متتالية، أي أكثر من ضعف وتيرة عام 2021، بحسب مجلس الذهب العالمي.
وأظهرت الحرب مع إيران كيف يمكن للدول استخدام الذهب كوسيلة حماية ضد الصدمات الاقتصادية.
فقد باع البنك المركزي التركي أو أقرض أكثر من 120 طنًا متريًا من احتياطياته الضخمة منذ الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، وذلك بهدف دعم قيمة الليرة التركية التي تراجعت بشكل حاد في ظل مخاوف التضخم وضعف التوقعات الاقتصادية. وعادة ما تقلق البنوك المركزية من ضعف العملات لأنه يؤدي إلى ارتفاع أسعار الواردات وزيادة التضخم.
وكان الذهب لسنوات طويلة خارج دائرة الاهتمام، فلم يعد يستخدم كمرتكز للنظام النقدي العالمي منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث اعتمدت الدول بدلًا من ذلك على احتياطيات من العملات الأجنبية، خصوصًا الدولار والعملات الأوروبية، لتحقيق الاستقرار في الأزمات.
إلا أن تخزين الذهب يطرح تحديات لوجستية مثل مكان حفظه وكيفية نقله عند الحاجة، كما أنه لا يحقق عوائد مثل الفوائد أو الأرباح التي توفرها السندات والأسهم.
لكن في المقابل، فإن الذهب، كونه خارج إلى حد كبير عن شبكة النظام المالي العالمي الحديث، يمنح الدول قدرة أكبر على تعزيز استقلاليتها المالية.
وقال غلابينسكي إن الذهب “أصل عالمي عالي السيولة ومعترف به عالميًا، والأهم أنه لا يمثل التزامًا تجاه أي طرف آخر”. وكان من أبرز المدافعين عن زيادة احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية.
وقد بلغ احتياطي بولندا في مارس نحو 580 طنًا متريًا من الذهب بقيمة تقارب 85 مليار دولار، مقارنة بـ228 طنًا في عام 2022.
وأضاف أن البنك يعتزم رفع احتياطياته إلى 700 طن متري، بما يعكس “النمو المستمر في القوة الاقتصادية وأهمية بلادنا خلال العقدين الماضيين”.
وفي التشيك، قرر البنك المركزي قبل ثلاث سنوات رفع احتياطياته من الذهب من مستوى كان يُوصف بأنه “شبه معدوم” بأقل من 10 أطنان. وبحلول عام 2028، يهدف إلى الوصول إلى 100 طن متري من الذهب ضمن احتياطياته الدولية.
وقال جان كوبيتشِك، عضو مجلس إدارة البنك المسؤول عن الاحتياطيات: إن “أسلافنا اعتبروا أن الذهب لم يعد أصلًا مناسبًا للاحتفاظ به، وكان يُنظر إليه على أنه قديم الطراز ويعاني من عيوب عملية عديدة”، موضحًا أن البنك كان قد باع معظم ما لديه من الذهب في أواخر التسعينيات، محتفظًا بكميات محدودة فقط لصنع عملات تذكارية.
لكن بعد الأزمة المالية العالمية قبل نحو عقدين، بدأ تصور البنوك المركزية تجاه الذهب يتغير، وفقًا لما ذكره كوبيتشِك، حيث أصبحت البنوك المركزية مشترٍ صافيًا للذهب منذ عام 2010، بحسب مجلس الذهب العالمي.
وأضاف: “انضممنا إلى هذه المجموعة بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا”.
وقد شهد سعر الذهب مؤخرًا تقلبات أكبر من المعتاد، نتيجة الارتفاع الحاد في الأسعار الذي جذب مستثمرين أفرادًا بكثافة، ما زاد من عمليات البيع والشراء السريعة.
وعلى الرغم من أن البنوك المركزية خففت وتيرة مشترياتها في العام الماضي، إلا أن التوقعات تشير إلى استمرارها كمشترٍ منتظم للذهب.
فعلى سبيل المثال، يتبع البنك المركزي التشيكي نمطًا ثابتًا في الشراء، لا يتأثر بشكل مباشر بتقلبات السوق.
وأظهر استطلاع للبنوك المركزية خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام أن أكثر من ثلثها يخطط لزيادة احتياطياته من الذهب خلال العام المقبل، بينما أكد الباقي أنه سيحافظ على مستوياته الحالية.
وقد قدّر مسؤولو إدارة الاحتياطيات، وفقًا لاستطلاع أجرته “سنترال بانكنج بابليكيشنز” وHSBC، أن يصل متوسط سعر الذهب إلى 5,250 دولارًا للأونصة الترويسية بنهاية العام، مقارنة بنحو 4,546 دولارًا حاليًا.
وفي كل الأحوال، قال كريشان جوپال، كبير المحللين في مجلس الذهب العالمي: إن “البنوك المركزية أصبحت ركيزة حقيقية للطلب في سوق الذهب”.










































