اخبار تونس
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٠ أب ٢٠٢٦
اقترحت إنشاء مراكز احتجاز خارج الاتحاد الأوروبي ونقلهم إلى دول أفريقية
تقدمت إيطاليا إلى الاتحاد الأوروبي، خلال انعقاد الاجتماع الطارئ لوزراء داخلية الاتحاد، بمقترح يدعو إلى إنشاء مراكز خارج الفضاء الأوروبي، لإعادة المهاجرين غير النظاميين إلى بلدانهم أو إلى دول ثالثة 'آمنة'، على غرار الاتفاق الذي أبرمته مع ألبانيا.
وتضم قائمة الدول المرشحة لاستضافة هذه المراكز كلاً من تونس وليبيا ومصر وموريتانيا والسنغال ورواندا وغانا وأوغندا وأوزبكستان وأرمينيا والجبل الأسود وإثيوبيا.
ويضع المقترح الإيطالي تونس في موقف لا تحسد عليه، بخاصة وهي التي أكدت رفضها أن تكون حارساً لحدود أوروبا أو مركزاً لتوطين المهاجرين غير النظاميين. فإلى أي مدى سيكون المقترح الإيطالي قابلا للتنفيذ في تونس؟ وما كلفة ذلك اقتصادياً واجتماعياً؟
أمضت تونس اتفاقية الهجرة مع أوروبا خلال يوليو (تموز) 2023، وحصلت بموجبها على دعم مالي وتقني لتعزيز مراقبة الحدود، والحد من الهجرة غير النظامية، إلا أن المقترح الإيطالي الجديد يمثل منعرجاً حساساً، إذ يربط بصورة مباشرة بين الامتيازات التجارية وبين التعاون في إعادة المهاجرين.
وستواجه تونس التي تربطها بأوروبا علاقات شراكة اقتصادية تاريخية، اختباراً سياسياً واقتصادياً وأمنياً حقيقياً في علاقتها مع الاتحاد الأوروبي، بخصوص ملف الهجرة غير النظامية.
ولئن تسعى دول الاتحاد الأوروبي إلى استخدام الورقة الاقتصادية كأداة ضغط على دول شمال أفريقيا (بينها تونس)، في التعاطي مع الملف الهجرة، فإن الرأي العام الداخلي في تونس لا يقبل بتوطين المهاجرين، وهو ما يجعل إمكان القبول بإنشاء مراكز احتجاز للمهاجرين أمراً مستبعداً.
وقال النائب السابق في البرلمان والناشط في مجال الهجرة مجدي الكرباعي في حديث إلى 'اندبندنت عربية' إن 'إدراج تونس ضمن الدول المحتملة لاستضافة مراكز لإعادة أو احتجاز المهاجرين خارج الفضاء الأوروبي، يضعها أمام إشكال سياسي وسيادي كبير، فمن جهة، الاتحاد الأوروبي يحاول نقل جزء من مسؤولية إدارة الهجرة إلى دول خارج حدوده، ومن جهة أخرى تتمسك تونس بموقفها الرافض لأن تكون حارساً للحدود الأوروبية أو منصة لتوطين المهاجرين'.
ويستبعد الكرباعي موافقة تونس على المقترح الإيطالي لأن 'قبولها بإنشاء هذه المراكز سيكون تحولاً كبيراً في سياستها الهجرية، وسيجعلها طرفاً مباشراً في منظومة الترحيل الأوروبية، وليس مجرد تعاون أمني أو مالي مع أوروبا'.
ولا يخفي النائب السابق والمقيم في إيطاليا أن 'تجني دول شمال أفريقيا مثل تونس بعض المكاسب والمساعدات الاقتصادية من الطرح الأوروبي، إلا أن كلفته على المدى الطويل ستكون باهظة من حيث البنية التحتية والأمن والإدارة، والمسؤولية القانونية والإنسانية عن الأشخاص الموجودين داخل تلك المراكز، إضافة إلى أن تحويل تونس إلى بلد يستقبل المرحلين من أوروبا قد يخلق تداعيات اجتماعية وسياسية، خصوصاً في ظل رفض الرأي العام الداخلي وجود المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء في البلاد حالياً'.
ويعد الناشط في مجال الهجرة أن 'تونس لن تتحول إلى 'منطقة عازلة' لأوروبا مرجحاً إمكان تعاونها مع الاتحاد الأوروبي في مكافحة شبكات الاتجار بالبشر، وتنظيم الهجرة، والعودة الطوعية، من دون أن تقبل بتحمل مسؤولية الأشخاص الذين تريد أوروبا ترحيلهم والتخلص منهم'.
وخلص إلى أن 'الطرح الأوروبي يجب أن يناقش في الداخل التونسي، بشفافية كاملة، لأن المسألة لا تتعلق فقط بالتمويل الأوروبي، وإنما بالسيادة الوطنية، وبحقوق الإنسان، وبالدور الذي ستضطلع به بلادنا في منظومة الهجرة المتوسطية'.
في المقابل رأى المتخصص في علم الاجتماع وفي سياسات الهجرة منير حسن في تصريح خاص أن 'المقترح الإيطالي يعكس التخبط الكبير الذي يواجهه الاتحاد الأوروبي في بحثه عن حلول حقيقية لقضية الهجرة'، معتبراً أن 'استغلال الظروف الاقتصادية الصعبة لبعض الدول لفرض نوع من الاتفاقات من جانب واحد، لن يمثل الحل الأنسب الذي يقدمه اليمين الإيطالي لإيقاف تدفقات الهجرة إلى أوروبا'. وأوضح أن 'الحل يكمن في فتح مفاوضات جدية جامعة بين جميع الأطراف المعنية، من الاتحاد الأوروبي إلى البلدان المعنية بالهجرة والبلدان التي تمثل مناطق عبور، ووضع أطر منصفة للجميع، لحل أزمة الهجرة، إلا أن فرض مثل هذه التصورات التي لا تأخذ في الاعتبار الحقوق الأساسية للإنسان لن تنجح في إيقاف الهجرة'.
ويدعو المتخصص في علم الاجتماع إلى 'مزيد من الشفافية في الكشف عن فحوى المفاوضات بين تونس وإيطاليا في مجال الهجرة، في ظل غياب تصريحات رسمية تونسية حول الموضوع، بينما تتباهى إيطاليا بالمقترحات التي تقدمها كحلول لإدارة ملف الهجرة'. ويشدد على أن 'تونس تشكَّل فيها رأي عام مُعادٍ للهجرة، مستبعداً تركيز هذه المراكز لاستقبال المهاجرين المرحلين من الاتحاد الأوروبي في تونس، ومشيراً إلى إمكان أن يكون هذا المقترح مجرد محاولة لتهيئة الرأي العام لتنفيذه في مرحلة قادمة'.
ويمثل المقترح الإيطالي الذي يربط بين الامتيازات التجارية كالتسهيلات الجمركية ونظام وإدارة ملف الهجرة، تحولاً في السياسة الأوروبية، إذ أصبح التبادل التجاري أداة لتحقيق أهداف أمنية وسياسية، وليس وسيلة لتعزيز التنمية.
والربط بين التعاون في ملف الهجرة والمزايا التجارية قد يضع تونس أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على مصالحها الاقتصادية، بخاصة أن إيطاليا باتت شريكاً اقتصادياً أوروبياً مهماً، ومسألة السيادة الوطنية برفضها تحويل أراضيها إلى منصة لمعالجة أزمة الهجرة الأوروبية.
وتعول السلطات التونسية على سياسة الترحيل الطوعي للمهاجرين غير النظاميين، وفق مقاربة إنسانية، وقد نجحت في إعادة 27 ألف مهاجر بشكل طوعي إلى بلدانهم، خلال السنوات الثلاث الأخيرة، إلا أن المقترح الإيطالي بإنشاء مراكز لإعادة المهاجرين قد يثير جدالاً واسعاً في البلاد التي تعاني تدفقات متنامية للمهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء وسط صعوبات اقتصادية واجتماعية حادة.

























