اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. عبدالرؤوف الخوفي
ثمة أشياء يُمكن الفرار منها بألف حيلة وحيلة، لكنّ شيئًا واحدًا لا يعرف المرءُ من خلاله الاتجاه إلى الفرار. إنّه ضميره! ذلك الضيفُ الذي لا يملّ المكوث، والخصم الذي لا يعرف السكوت، والظنُّ الذي لا يخيب حين تتناوش الناسَ الشكوك.
بعد الانتهاء من قراءة «الإخوة كارامازوف»، أدركتُ أنَّ الرواية لا تقف عند حدود البحث عن قاتلٍ بقدر ما تبحث عن بَداءة الذنب، وعمَا إذا كانت الجريمة فعلاً يرتكبُه الجسدُ حينما تمتد اليد، أم فكرةً يسمح لها العقل أن تنمو حتى يرضى بما كانت اليدُ ستفعله.
يُخيّل إلينا أنّ الشر يُشبه في مُباغتته صاعقةً تشقُّ كبد السماء! فهو يأتي فجأة ويترك خلفه الخراب والدمار. غير أنَّ الحياة المتأمِّلة تُعلِّمنا كما تُعلٍّمنا الرواية أنَّ الشر أكثرُ أناة ممَّا نتصوّر. فهو ينمو ببطء مثل جذور شجرة ملعونة لا تُبصرها عين، حتى إذا ما اشتد عُودُها ظنَّ الناس أنها خرجت من عدم. وما هي من عدم! إذ ليس الفعل الأخير إلا الثمرة الخبيثة التي كشفت عن وجود جذورٍ كانت تعمل في الخفاء. فالشر يمر بسلسلة طويلة من التنازلات الصغيرة، حتى ليبدو وقوعُهُ في النهاية وكأنه أمر طبيعي.
ومن هنا تبدو النفس البشرية أقلَّ بساطة ممَّا نتصور. ففي داخل الإنسان تُعقَدُ محكمة لا تُرفع جلساتُها، ولا تتوه أدلَّتُها، ولا يغيب شهودُها. وقد يَخدع الإنسانُ الناس جميعًا، لكنّه يبقى عاجزًا عن تضليل ذلك القاضي الصامت الذي يسكن أعماقه. وربما لهذا السبب ينجو كثيرون من العقوبة، لكن قليلون هم الذين ينجون من ضمائرهم.
لقد أقنعتني الرواية بأنّ الإنسان لا يسقط دفعةً واحدة، وإنما يتركُ قبلُ لنفسه أن تتآكل من الداخل. فكلُّ تنازل صغير عن الحقيقة، وكلُّ مساومة مع الضمير، وكلُّ تبرير للخطأ ما هو إلا شرخٌ صغيرٌ في جدارٍ لا يلفت الانتباه بادئ الأمر، ومع الأيام يُصبح المسارَ الذي يتسلَّل منه الانهيارُ كلُّ الانهيار.
ولعل أجمل ما في دوستويفسكي أنّه لا يكتب شخصياتِه بالتوافق، وإنّما بالتناقض! فلا أحد في عالمه شرير على نحو كامل، ولا أحد صالح على نحو مُطلق. إنهم بشر تتجاذبهم الرغبة كما تتجاذبهم العفّة، وتشدُّهم الرذائل كما تشدُّهم الفضائل. ولهذا لا يقرأ أحدٌ الرواية بحثًا عن أبطال بقدر ما يبحث عن ذاته عندما يجد في كلِّ شخصية جزءًا كان يظنه لا يعنيه.
وليس أقلَّ ذلك عندما تدفعنا الرواية إلى إعادة النظر في مفهوم المسؤولية. فنحن نميل إلى اختزالها في حدود أفعالنا المباشرة، بينما تُوحي الرواية بأن الإنسان قد يكون شريكًا في الشر بصمته أو بإهماله أو بتبريره أو حتى بالأفكار التي يزرعها في نفوس الآخرين.
ومن هنا تتجاوز الرواية حدود القانون إلى فضاء الأخلاق. فالقانون يسأل: مَن الذي فعل؟ أمَّا الضمير فيسأل: لماذا وكيف وصلنا إلى هذا الفعل أصلًا؟ ولهذا قد يُبرِّئ القضاء إنسانًا، بينما يظلُّ عاجزًا عن تخفيف العبء الذي يحمله قلبُه.
لذا فالفكرة الأكثر إثارة أنَّ الإنسان لا يعيش بعقله وحده. فكلُّ محاولة لبناء عالم يقوم على الحسابات المجرَّدة وحدها ينتهي به الأمر إلى إهمال شيء عصي على القياس كالرحمة مثلاً. فالعقل قادر على تفسير كثير من الأشياء، لكنَّه غير كافٍ وحده ليمنح الحياة معناها أو ليجعل الإنسان أكثر إنسانية.
وهنا تتوارى الحكاية ويبدأ الأدب الحقيقي. فالروايات العظيمة تمنحنا مرايا ننظر فيها إلى وجوهنا. وكلَّما أغلقنا روايةً من هذا الطراز اكتشفنا أنَّ صفحاتِها ما زالت مفتوحة في دواخلنا، وأنَّ الحوار الذي بدأته شخصياتُها قد انتقل بهدوء إلى أعماقنا لننهيه بطريقتنا.
وعليه، فلم أعد أظنّ أنّ «الإخوة كارامازوف» رواية عن أًسرة مزَّقتها الخصومات، ولا عن جريمة أربكت العدالة..
لقد أيقنتُ أنَّها رحلة طويلة في دهاليز الإنسان؛ ذلك الكائن الذي يحمل في قلبه بذور السقوط وإمكانات الخلاص في آنٍ معًا.
غير أننا حين نجلس وحدنا ليلاً فلا يبقى في الغرفة إلا الظلام والهواجسُ وضميرنا… هنا فقط نستمع إلى صدى ما صنعناه بأنفسنا.
فأعظم درس في هذه الرواية أنَّ العدالة لا تبدأ من قاعات المحاكم، وإنّما من الضمير؛ حيث ثمّة أحكام غير قابلة للاستئناف؛ لأنها حكرٌ على صاحبها تَصدر في أعماقه حين يعرف حقيقة نفسه.










































