اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٤ أيلول ٢٠٢٦
د.سعود المريشد
التعليم قبل كل شيء رسالة، لكن حين يتحول إلى سلعة، تتبدل معه الأولويات وتنقلب الموازين، فلا يعود السؤال الأهم ماذا يتعلم الطالب، بل يصبح كم تدفع الأسرة؛ وهذا بدرجات متفاوتة، ما يعيشه قطاع التعليم الأهلي في وضعه الراهن، في مشهد يستحق وقفة مسؤولة بعيدة عن التهوين أو المبالغة؛ فلا خلاف على أن هذا القطاع يمثل ركيزة أساسية في المنظومة التعليمية، ويستوعب أعداداً كبيرة من الطلاب، ويخفف الضغط عن التعليم الحكومي، ويوفر تنوعاً معتبراً في الخيارات والمناهج، ويشكل مجالاً استثمارياً مهماً يسهم في تنشيط الاقتصاد وخلق فرص العمل؛ غير أن الإقرار بهذه الأدوار لا يعني تحييده عن النقد، ولا يبرر تجاهل ما في قطاعه من ممارسات باتت تشكل قلق متزايد لدى شريحة واسعة من أولياء الأمور.
فهناك فجوة تتسع بين الكلفة المتصاعدة للرسوم الدراسية وما يفترض أنه عائد تربوي ملموس، إذ لم تعد الزيادات السنوية في الأقساط تعبر عن رغبة في التطوير بقدر ما تبدو عبئاً لا يقابله تحديث يواكب المعايير الحديثة للبيئة المدرسية، وهو ما يضع هذه المؤسسات تحت مجهر المساءلة النوعية لمواءمة رسومها مع واقع خدماتها؛ وما يزيد المشهد تعقيداً هو تضخم ما يمكن تسميته بالرسوم الموازية أو الخفية، من مناشط ومواد تعليمية وخدمات إضافية ورحلات وفعاليات، تفرض غالباً بصيغة شبه إلزامية، فتتحول الكلفة الفعلية إلى رقم يتجاوز بكثير المعلن؛ وفي ظل غياب إطار تنظيمي دقيق يضبط آليات التسعير أو يضع حدوداً واضحة له، يصبح تحديد الرسوم في بعض الحالات أقرب إلى اجتهادات غير محكومة بمعايير موضوعية؛ كما أن غياب مؤشرات أداء شفافة تربط بين السعر والجودة يضعف من قدرة الأسرة على تقييم ما تدفعه؛ ويزداد هذا التناقض حدة حين تقترن الإيرادات المرتفعة بمستويات أجور متدنية نسبياً للمعلمين السعوديين، بما يكشف خللاً في توزيع العوائد داخل المنظومة التعليمية نفسها.
ورغم ذلك، يمكن القول بأن التعليم الأهلي يبقى قادراً على الجمع بين كونه مشروعاً استثمارياً ورسالة تعليمية، شريطة إعادة ضبط العلاقة بين المستثمر، والأسرة، والمعلم؛ ويتحقق ذلك عبر إرساء معايير إفصاح ملزمة تميز بوضوح بين الرسوم الأساسية والخدمات الاختيارية، وربط أي زيادة في التكاليف بمؤشرات جودة قابلة للقياس، إلى جانب تمكين الجهات الرقابية من وضع أطر تسعير مرنة لكنها منضبطة تحافظ على التوازن بين جاذبية الاستثمار وعدالة التكلفة؛ فالسوق، وإن ظل جاذباً، لا يمكن أن يستمر صحياً دون ثقة المستهلك، ولا يمكن لهذه الثقة أن تبنى في ظل غموض تسعيري أو شعور متزايد بعدم عدالتها، فالتنظيم والدور الرقابي ليس عائقاً أمام الاستثمار، بل شرطاً لاستدامته وتنافسيته.










































