اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٦ أذار ٢٠٢٦
د. عصام عسيري*
في عالمٍ يتسارع فيه التداخل بين الثقافات والاقتصادات والرموز، تصبح العولمة أكثر من مجرد مفهوم سياسي أو اقتصادي؛ إنها حالة شعورية يعيشها الإنسان المعاصر. هذه الحالة يحاول الفنان التشكيلي السعودي سعود القحطاني أن يترجمها بصريًا في لوحة فنية المعنونة بـ(العولمة)، حيث تتحول اللوحة إلى فضاءٍ متحرك من الخطوط والدوامات اللونية، كأنها صورة مجازية لعالمٍ يبتلع نفسه في حركةٍ لا تتوقف.
منذ النظرة الأولى تبدو اللوحة أشبه بتياراتٍ لونية هائجة ومتلاطمة، الأبيض والأسود والأزرق الداكن تتصادم في دوائر حلزونية بطيف الألوان، بينما تتناثر ومضات من الأصفر والبرتقالي كشراراتٍ داخل عاصفة بصرية زرقاء قاتمة، هذه البنية الحركية ليست مجرد خيار جمالي؛ إنها استعارة عميقة لطبيعة العولمة نفسها، حركة مستمرة من الامتزاج والاصطدام وإعادة التشكل وذوبان الثقافات.
الدوّامة كرمز للعالم المعاصر
في اللوحة تتشكل الدوامة المركزية كأنها مجرّة فلكية لونية تبتلع عناصرها، الخطوط البيضاء تتكسر وتندفع في حركةٍ حلزونية، وكأنها بقايا هوياتٍ ثقافية وخصوصيات تدور داخل مدارٍ كوني واحد. هنا لا تبدو الأشكال ثابتة، بل متحولة باستمرار؛ فالعولمة في هذه الرؤية ليست نظامًا مستقرًا، بل حالة من السيولة الدائمة والحراك والتدافع المستمر.
كما بدت الحركة أكثر عنفًا فتتصاعد الأشكال والكتل اللونية مثل أمواجٍ متكسرة، ويظهر التوتر بين الأبيض والداكن والألوان الباردة والحارة كصراعٍ بين الليل والنهار، الشمال والجنوب، الشرق والغرب، النظام والفوضى، الموت والحياة. إن العين التي تلمح في أحد أطراف اللوحة توحي بشخص واعٍ يراقب هذا التحول الكوني، كأن الإنسان يقف داخل العاصفة التي صنعها بنفسه.
وصل البناء التشكيلي إلى ذروته؛ حيث تتشابك الخطوط والأشكال حتى يكاد المركز ينفجر بصريًا، هنا تتحول العولمة إلى حالة من التعدد المتراكب (ثقافات، لغات، أفكار، أديان... إلخ) وصور تتراكب في فضاءٍ واحد، إنها ليست وحدة منسجمة، بل شبكة معقدة من العلاقات، لدرجة يمكن قراءة اللوحة من كل الزوايا؛ فهناك بقاعدة اللوحة مجموعة من الأشخاص تطرح أفكارها إلى المرشد العقلي في يمين اللوحة وبعقليته يرسلها إلى يسار اللوحة حيث الرجل الآلي ومنه للعالم لتشع الأفكار الحديثة وتتلاقح في فضاءات العولمة.
اللغة التشكيلية.. بين التجريد والتعبير
ينتمي أسلوب الفنان سعود القحطاني إلى منطقة تقع بين التجريد التعبيري والسريالية الرمزية، كما وصف الفنان أسلوبه بأنه البحث ما وراء السريالية، فالأشكال لا تشير إلى موضوعات واقعية محددة، لكنها في الوقت ذاته توحي بملامح إنسانية معقدة من الشخص العادي للمتعلم للرجل الآلي، وطيور محلّقة في الفضاء وكائنات متحولة في الكون الفسيح. هذه الازدواجية تمنح العمل طابعًا دراماتيكيًا؛ إذ يشعر المتلقي أنه أمام مشهدٍ كوني سرمدي لا يخلو من البعد الإنساني والفكري والحضاري.
اللون هنا يلعب دور البطولة، الأزرق الداكن يمنح العمل عمقًا كونيًا، بينما يضفي الأبيض حركة ضوئية تشبه انكسار الأمواج، أما اللمسات البرتقالية والصفراء فتعمل كنبضٍ حراري داخل اللوحة، وكأنها إشارات للحياة وسط هذا الطوفان البصري.
سيرة الفنان ومكانته الثقافية
يُعد سعود القحطاني أحد الأسماء البارزة في مسار الفن التشكيلي السعودي المعاصر، ينتمي إلى جيل الفنانين الذين أسهموا في ترسيخ التجريب والبحث في اللغة التشكيلية منذ أوائل السبعينات، حيث أقام أول معرض له 1975م ومعرضه الثاني 1976 مع الفنانة الأميركية (بِهام)، حيث دعمه سمو الأمير فيصل بن فهد لإقامة معرضه الأول التشجيعي 1978 بالمنطقة الجنوبية، كما أقام مدرسة للهواة في ذلك التاريخ، وتعد الأولى في الخليج العربي، حيث درس بها مجموعة من الساحة الفنية بالحاضر في سبعينات القرن العشرين، وقد عُرف بتجاربه التي تجمع بين الجرأة اللونية والبناء الحركي المعقد والتكنيكات المتعددة التي تخدم الموضوع، ما جعله من الفنانين الذين دفعوا بالتجريد التعبيري في المملكة والخليح إلى آفاق أكثر حداثة.
شارك الأستاذ سعود القحطاني في معارض محلية ودولية مهمة، وأسهم حضوره في المشهد التشكيلي في تعزيز الحوار بين الفن السعودي والتيارات العالمية المعاصرة، حيث شارك في معرض إكسبو 1976 فانكوفر، ومعارض المملكة بين الأمس واليوم بأميركا وألمانيا ومصر وغيرها، شارك في افتتاح معرض افتتاح جسر الملك فهد بالمنامة، ونفذ ثلاثة عشر مجسماً بمدينة أبها وست جداريات، حيث كانت الفكرة الأولى من نوعها في العالم العربي بمدينة أبها، وتعد أكبر جدارية في الشرق الاوسط في وقتها، حيث كان من مؤسسي القرية التشكيلية وقرية المفتاحة الثقافية بأبها، وحتى تصنيف معهد مسك للفنون وهيئة الفنون البصرية بوزارة الثقافة ضمن قائمة روّاد الحركة التشكيلية السعودية. وتُعد أعماله وجدارياته ومجسماته المنتشرة عبر عقود مثالًا على قدرة الفنان السعودي على الانخراط في القضايا المحلية والإقليمية والعالمية وحتى الكونية دون أن يفقد حساسيته الثقافية الخاصة.
وتنبع أهمية تجربته من هذا التوازن بين المحلي والإقليمي والكوني؛ فهو يستعير من البيئة البصرية لعسير ومن حساسية الضوء واللون في الجنوب السعودي، لكنه يقدّمها داخل خطاب بصري عالمي يتعامل مع قضايا الإنسان المعاصر مثل الهوية والخصوصية والتحول والعولمة.
الفن كمرآة للعصر
في هذه اللوحة لا يحاول القحطاني تقديم تفسيرٍ مباشر لمفهوم العولمة، بل يخلق تجربة بصرية تجعل المشاهد يشعر بها، اللوحة تبدو كأنها خرائط نفسية وحضارية لعالمٍ متشابك، حيث تتقاطع الثقافات مثل تيارات بحرية متلاطمة داخل محيطٍ واسع.
بهذا المعنى تتحول العولمة في أعماله من مفهومٍ نظري إلى إحساس بصري، دوامة من الصور والأفكار والرموز، تتدافع وتدور بسرعةٍ تجعل الإنسان المعاصر جزءًا من حركتها.
وهنا تكمن قوة هذه التجارب الجمالية؛ فهي لا تصف العالم، بل تجعلنا نراه وهو يتشكل أمام أعيننا.










































