اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٦ حزيران ٢٠٢٦
د. ملحة عبدالله
حين نتأمل التاريخ نجد أن الإنسان لم يخترع البريد لينقل الورق، بل ليقهر المسافة ويهزم الغياب، فكان البريد هو فعل مقاومة ضد الزمن، وكان طقسًا يوميًا للتواصل؛ وخسرنا الطقس.. فصار بإمكاننا أن نرسل رسالة لآخر الأرض في ثانية واحدة، لكننا عجزنا أن نكتب رسالة واحدة نعيد قراءتها بعد عشرين عامًا وتبكينا..
إذا كانت المعرفة هي تلك الدوائر المتماسة والمتقاطعة في الوقت ذاته، كما ذكرنا في مقالنا الأسبق، فهكذا موت ساعي البريد ليس موت مهنة، بل حصاد ذلك التراكم التقني من تاريخ الإرث الإنساني الذي بدأ بخط يدوي على ورق، وانتهى بنقرة إصبع على شاشة، ولذلك كان الأنس المعرفي بالانتظار، والموروث هو حلقة التواصل الوجداني المتصل بالمعنى وبالعاطفة. إن البحث عن الرسالة هو ما يجعل الإنسان في ذلك القلق الدائم وهي ما نطلق عليها بـ'حمى الانتظار'.
ويقال إن استخدام النظام البريدي كان في عهد الفراعنة الذي تأسس عام 2400 ق.م، وكانت ترعاه الدولة وتوظف له السعاة لنقل الرسائل، فاستخدموا عدائيين وسعاة لنقل المراسيم والقرارات الملكية في أرجاء الدولة، وأول ساعي بريد ضاع اسمه في التاريخ وكانت مهمته بدأت من هنا، وأن أقدم رسالة بريدية كانت مصرية من برديات أوكسيرينخوس 255 ق.م، كما ذكرت المصادر.
ولذا نقول إن أول ساعي بريد في التاريخ مات مرتين: مرة حين سقط في رمال مرسوم فرعون، ومرة أخرى حين نسينا اسمه، لم يسجل التاريخ اسمه، كما لم يسجل أسماء آلاف السعاة الفراعنة الذين كانوا يقطعون المسافات بين طيبة ومنف حاملين أوامر الملك في مظاريف من الجلد أو الكتان، وكانوا يفهمون على فطرتهم ما لم تفهمه خوارزمياتنا: أن الرسالة ليست حبرا على ورق، بل هي جزء من روح المرسل، تسافر في جسد ساع يلهث تحت وطأة الظروف الجغرافية والبيئية ليصل المعنى قبل الكتابة!
هؤلاء السعاة المجهولون كانوا يحملون على أكتافهم نتح العقل الكوني، إبداع متصل بالمعرفة وبالثقافة والعلم وقوة الكلمة وفهم المعني قبل أن نسميه نحن بالعقل الكوني أو منطقة الإلهام، فكانوا يعرفون أن الانتظار هو نصف المعنى، وأن المسافة هي خزان الشوق، ولذلك حين مات ساعي البريد الحديث، ماتت معه ذاكرة ذلك الساعي الذي جرى تحت الشمس كي لا يموت الغياب.
والمسألة هنا شائكة تحمل رأسين حادين هما المرسل والمستقبل أيضا (إبداع المرسل وشوق المستقبل)، كلاهما يرزحان تحت وطأة الإلهام والتأمل والإبداع وبلاغة الحرف وحرقة الوجد.
فإذا ما قال استاذي لويس عوض: 'الواقع أن الأقدمين لمسوا ما بين الإبداع وما فوق الطبيعة من صلة، اكشف عن العبقرية تراها صفة تتحقق في كل من ركبته شياطين وادي عبقر فبطبيعة الحال لم يكونوا قد فقهوا شيئا عن علم النفس وتحليله ولكننا أطلقنا عليه الاتصال بالعقل الكوني منطقة المبدعين'.. ولذا فهو يشير هنا إلى عبقرية فذة تتخلل خطوط الكلام وتحيله إلى مفاهيم، عبر مضمراته ومداراته كنوع باذخ من العبقرية الفذة التي دامت لآلاف السنين نتدارسها.
ولذا فإن تحدث إليك ناقد عن شيطان الشوق فلا تصرفه هازئا، بل تدبر ما تشتمل عليه عباراته من معان جمة تهمك في دراسة الانتظار، بالجملة لم يعرف القدماء شيئا عن السرعة المطلقة فنحلوا المعنى إلى المسافة والزمن فتحول الفكر إلى فلسفة.
ومن هنا كان لا بد من تناول الآراء النقدية ودور النخبة وثقافتهم في التواصل، فكيف إن ضلوا واختلطت مفاهيمهم كما في ندوات العصر الرقمي، حيث إنه إذا انفصل الخطاب وانحصر في دوائر نخبوية من السرعة والكفاءة كانت الغربة، وهي فاجعة من فواجع الثقافة والمعرفة.
يقول كارل مانهايم: 'إن المعرفة لا يمكن أن تنتقل تلقائيا عبر الفئات الاجتماعية التي ولدتها، في صورتها الغفل، من دون تدخل نخبة ثقافية، تخلص هذه المعرفة الغفل من الشوائب الذاتية'.. والنخبة الجديدة للسرعة لم تخلص المعرفة، بل جردتها من شوائبها الذاتية.
ولذلك نقول إن المعرفة كامنة فيما أسميناه العقل الكوني Cosmic mind وهي منطقة لا يخترقها سوى المبدعين، تلك المنطقة التي يحاول المتصوفون الوصول إليها عن طريق الذكر فيما يسمونها لحظة الوصل.
هي تلك اللحظة التي يعايشها كاتب الرسائل، وساعي البريد القديم يحاول ايصالها كل يوم في طرقاته على الباب، وفي لهاثه تحت المطر، وفي عرقه على المظروف، وفي نظرة العجوز التي تنتظر جواب ابنها، وفي انتظار عاشق ولهان لحظة وصل بروح محب في جسد ساعي بريد.. ساعٍ يحمل بين راحتيه ما تمخض عنه العقل الكوني بعد امتلاء ما يخطه الإطار المرجعي من معان، ومن إرث إنساني وثقافي وليس بالفطرة المجردة؛ إنها منطقة اللذة المفعمة بالمعرفة التي قتلتها النقرة! لقد استبدلنا لحظة الوصل الشفافة الماتعة والمنتجة لصنوف الإبداع إلى ما يطلق عليه Seen أو المنظر.
وحين نتأمل التاريخ نجد أن الإنسان لم يخترع البريد لينقل الورق، بل ليقهر المسافة ويهزم الغياب، فكان البريد هو فعل مقاومة ضد الزمن، وكان طقسا يوميا للتواصل وخسرنا الطقس، فصار بإمكاننا أن نرسل رسالة لآخر الأرض في ثانية واحدة، لكننا عجزنا أن نكتب رسالة واحدة نعيد قراءتها بعد عشرين عاما وتبكينا.
إن موت ساعي البريد هو موت الدوائر المتماسة بين المرسل والمتلقي.. لقد انتقلنا من حمى الانتظار إلى حمى الحذف، ومن زمن كان فيه المظروف يحمل عطر صاحبه، إلى زمن صارت فيه الرسالة سحابة لا تُلمس.. لقد أصبحنا سعاة بريد لأنفسنا، نرسل ونستقبل ونحذف ونندم، في غرفة جماعية. فالمعرفة -كما بدأنا– هي تلك الدوائر المتماسة والمتقاطعة، وحين مات ساعي البريد، ماتت الدوائر وبقيت النقطة.










































