اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٧ أيلول ٢٠٢٦
تحليل- عزام المشعل
مفارقة صارخة تكشف ازدواجية الخطاب الحوثي؛ فالميليشيا الأرهابية المدعومة من إيران ترفع شعارات الدفاع عن القدس، بينما استهدفت الحرم المكي الشريف بالصواريخ والطائرات المسيّرة. وبين الشعارات والممارسات تتجلى حقيقة توظيف القضية الفلسطينية للمزايدة السياسية، في وقت تستهدف فيه المقدسات وتهدد أمن المنطقة واستقرارها. ويحق أن يقال: لولا ازدواجية المعايير، لما كان لدى مليشيات الحوثي الإرهابية أي معايير على الإطلاق.
هذه المفارقة لا تتوقف عند حدود الخطاب السياسي، بل تمتد إلى سجل طويل من الممارسات التي جعلت من اليمن ساحة مفتوحة للصراع الإقليمي، ومن الشعب اليمني الطرف الأكثر تضررًا من استمرار الحرب والتصعيد. فبدل أن تكون الأولوية لإنهاء معاناة اليمنيين وبناء مؤسسات الدولة وتحقيق الاستقرار، يستمر الحوثيون في تقديم أنفسهم باعتبارهم جزءًا من صراع يتجاوز حدود اليمن واحتياجاته المباشرة.
غير أن واحدة من أكثر الوقائع دلالة على هذه الازدواجية ظهرت في مايو 2025، عندما انتقلت الجماعة، التي كانت تقدم هجماتها في البحر الأحمر باعتبارها جزءًا من معركة إقليمية مرتبطة بغزة، إلى مسار تفاوضي غير مباشر مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب. فقد جرت اتصالات عبر وساطة عُمانية، وانتهت إلى تفاهم أعلنت واشنطن بموجبه وقف ضرباتها على الحوثيين مقابل وقف الجماعة استهداف السفن والممرات البحرية.
وهنا تطرح الواقعة سؤالًا مشروعًا حول طبيعة الخطاب الحوثي: إذا كانت المعركة مبدئية وثابتة كما تقدمها الجماعة في خطابها، فما الذي يفسر الانتقال السريع من التصعيد إلى التفاوض عندما تتغير كلفة المواجهة؟ والأهم أن التفاهم الأميركي–الحوثي لم يشمل التزامًا بوقف الهجمات على إسرائيل، وفق ما أوردته التقارير، ما يعكس قدرة الجماعة على الفصل بين ساحات المواجهة بحسب الحسابات السياسية والعسكرية.
ولا يعني ذلك أن التواصل السياسي أو التفاوض بحد ذاته أمر متناقض؛ فالتفاوض وسيلة معروفة لإنهاء النزاعات. لكن المفارقة تكمن في المسافة بين الخطاب الذي يصوّر الصراع باعتباره مواجهة مبدئية مفتوحة، وبين السلوك السياسي الذي يُظهر استعدادًا لإعادة ضبط قواعد الاشتباك عندما تتغير موازين الكلفة والمصلحة.
وهذه ليست مجرد مسألة خطابية، بل ترتبط مباشرة بمصالح اليمنيين. فكلما تحولت الأراضي اليمنية والموانئ والسواحل إلى أوراق تفاوض في صراعات إقليمية، أصبحت الدولة اليمنية أضعف، وأصبح المواطن اليمني أكثر عرضة لتبعات التصعيد والعقوبات والاضطرابات الاقتصادية والأمنية.
وتؤكد الوثائق الأميركية الرسمية أن إدارة ترمب كانت قد وصفت الحوثيين في يناير 2025 بأنهم يشكلون تهديدًا للقوات الأميركية وللشركاء الإقليميين وللتجارة البحرية الدولية، وأطلقت إجراءات لإعادة تصنيف الجماعة منظمة إرهابية أجنبية. وبعد أسابيع، أمر ترمب بشن ضربات واسعة ضد مواقع الحوثيين، قبل أن تعلن واشنطن في مايو التوصل إلى تفاهم أدى إلى وقف تلك الضربات.
وهكذا تكشف تجربة التواصل الأميركي–الحوثي أن الشعارات وحدها لا تكفي لفهم سلوك الجماعة؛ فهناك فارق بين الخطاب المعلن والحسابات العملية على الأرض. وفي الوقت الذي تُرفع فيه شعارات المقاومة والدفاع عن القضايا العربية، يبقى السؤال الأهم: ماذا قدم هذا النهج لليمنيين، وماذا أضاف إلى أمن المنطقة واستقرارها؟
فالحديث عن المقاومة لا يمكن أن يكون ستارا لتبرير استهداف الملاحة الدولية أو تهديد دول الجوار. وقد أكدت الأمم المتحدة مرارا ضرورة توقف الهجمات الحوثية على السفن التجارية في البحر الأحمر، محذرة من آثارها على أمن الملاحة والتجارة والاقتصاد العالمي.
الأكثر خطورة أن استمرار هذا النهج يكرس نموذجا سياسيا يقوم على استخدام القوة المسلحة بدل الدولة، وعلى تحويل الجغرافيا اليمنية إلى ورقة ضغط في صراعات أوسع. وعندما تصبح مصلحة الجماعة مرتبطة بحسابات خارج الحدود، يصبح اليمن نفسه ساحة للمساومة، بينما يدفع الشعب ثمنها من أمنه واقتصاده ومستقبله.
إن اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى دولة تستعيد مؤسساتها، وسلام يحفظ سيادتها، واقتصاد يتيح لشعبها حياة كريمة. أما تحويل الموانئ والبحر الأحمر والحدود والمقدسات إلى أدوات للصراع، فلن يقود إلا إلى مزيد من التوتر وإطالة أمد المعاناة.
وتبقى المفارقة الكبرى أن الخطاب الذي يرفع راية الدفاع عن القدس لا يمكن أن يتجاهل حرمة مكة، ولا أمن المدنيين، ولا حق اليمنيين في السلام. فالقضايا العادلة لا تُقاس بارتفاع الشعارات، وإنما باتساق المواقف واحترام حياة الإنسان وسيادة الدول. ويحق أن يقال: لولا ازدواجية المعايير، لما كان لدى مليشيات الحوثي الإرهابية أي معايير على الإطلاق.










































