اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٤ أذار ٢٠٢٦
م. هاني الغفيلي
بات التعامل الإعلامي في حالات الأزمات فنًا واستراتيجيةً تُدار بحرفية عالية، لا مجرد نقل أحداث أو نقل ردود فعل، بل بإدراكٍ عميقٍ لتأثير الكلمة على الرأي العام وعلى الأمن الوطني، ففي عصر منصات التواصل الواتساب، يمكن للمعلومة أن تنتشر وتتحول إلى شائعة في غضون دقائق قليلة، وهو ما أكدت عليه الدراسات الأكاديمية، فقد وجدت مراجعة منهجية لأكثر من 150 دراسة أن الأخبار الكاذبة تنتشر بسرعة تفوق الأخبار الحقيقية بست مرات على منصات التواصل، مما يضاعف خطرها على الاستقرار الاجتماعي والسياسي إذا لم يتم التعامل معها بحذر وموضوعية.
التعامل الإعلامي في أوقات الأزمات لا يعني تجاهل الأحداث أو التقليل من شأنها، بل يعني نشر المعلومة الصحيحة من مصادرها الرسمية الموثوقة أولًا، مع تقديمها بشكلٍ واضح وشفاف للجمهور، وتحديثها باستمرار كلما تطورت المستجدات، فتشير الممارسات المهنية في إدارة الأزمات إلى أن إنشاء غرفة عمليات إعلامية متخصصة للأزمة والتواصل المستمر عبر المتحدثين الرسميين وتقارير منتظمة يساعد في تقليل الشائعات ويمنح الجمهور ثقةً أعلى في المحتوى الإعلامي الذي يتلقاه، بدلًا من الاعتماد على الإشاعات المتداولة غير المختبرة.
في المقابل، نشر الأخبار غير الدقيقة أو إعادة تداول الشائعات عبر القنوات الخاصة يمكن أن تكون له آثار خطيرة؛ فالعولمة الرقمية للمعلومات تجعل الشائعات تنتشر خارج السياق بسرعة هائلة، وقد تثير توترات أو تخوفات بين الجمهور، وتؤثر على استقرار المجتمع، وحتى على القرارات الاستراتيجية المرتبطة بالأمن الوطني.
إن احترام المصداقية والدقة في نقل المعلومات لا يخدم الجمهور فحسب، بل يخدم أيضًا منظومة الدولة التي تبني سياساتها على بيانات صحيحة وتحليلات دقيقة، لذا استثمرت المملكة جهودًا كبيرة في تنظيم وتطوير المنظومة الإعلامية، من خلال تحديث الأطر التنظيمية وإطلاق مشاريع تطويرية تستهدف تعزيز التدريب المهني ورفع مستوى المحتوى الإعلامي المحلي بما يتوافق مع رؤية المملكة 2030، ويمنح الإعلاميين أدوات أفضل للتعامل مع الأزمات والمواقف الحساسة.
هذه الجهود تساهم في بناء الثقة مع الجمهور من خلال دعم الإعلاميين وتمكينهم من أدواتٍ حديثة لإدارة الأزمات، بدءًا من التدريب وصولاً إلى استخدام منصات التحقق من الحقائق، وإعداد المحتوى الذي يُعتمد عليه في أوقات الضغط الإعلامي.
ومع تزايد نسبة مستخدمي الإنترنت ووسائل التواصل في المملكة، لا سيما بين فئات الشباب الذين يشكلون شريحةً كبيرة من المجتمع، فإن الدور المهني للإعلام في مواجهة الشائعات أصبح ضرورةً وطنية.. لذا يمثل الإعلام السعودي نموذجًا يُحتذى به في تطبيق المعايير المهنية في نقل المعلومة الصحية في أوقات الأزمات، وهو ما يتطلب تعزيز التنسيق بين الجهات الإعلامية والجهات الرسمية ذات الصلة بالأزمة نفسها، لضمان خروج الرسالة الإعلامية بشكلٍ واضح، موثوق، وخالٍ من التضليل.
ختامًا، يظل الإعلام في أوقات الأزمات أكثر من مجرد ناقلٍ للأخبار؛ إنه حارس للثقة بين الدولة والمجتمع؛ إن التزام الإعلاميين بالمهنية في التحقق من المصادر، واختيار المواد من الجهات الرسمية، والتعامل بوعي مع المعلومات المنتشرة عبر التطبيقات الخاصة، لا يعزز فقط الدور الإعلامي السعودي في المشهد الوطني، بل يجعله رائدًا في المنطقة في حماية الأمن الوطني، ودرء مخاطر التضليل، ونشر الحقيقة التي تُثبّت أركان الاستقرار وتدعم مسيرة التنمية والتقدم.










































