اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٢ أيار ٢٠٢٦
خالد الحلوة
تُعد مسؤولية وسائل الإعلام من أهم القضايا في بحوث الاتصال. وقد ظهرت في هذا السياق نظرية «المسؤولية الاجتماعية» بوصفها إحدى أهم النظريات الإعلامية وأكثرها انتشاراً وتأثيراً، إذ تقوم على فكرة أن حرية الإعلام يجب أن تقترن بالمسؤولية تجاه المجتمع، فيجب أن تلتزم بتقديم معلومات دقيقة ومتوازنة، واحترام أخلاقيات المهنة، وخدمة الصالح العام.
في الأساس، ظهرت نظرية المسؤولية الاجتماعية كرد فعل للنظرية الليبرالية الكلاسيكية في الإعلام. فالنظرية الليبرالية، التي ارتبطت بأفكار التنوير الأوروبي في القرنين السابع عشر والثامن عشر، كانت تقوم على مبدأ أن حرية التعبير وما يسمى «السوق الحرة للأفكار» كفيلة بإظهار الحقيقة تلقائياً. وكانت تفترض أن تدخّل الدولة في الإعلام يمثل الخطر الأكبر على الحرية. لذلك، دافعت الفلسفة الليبرالية عن صحافة حرة مستقلة عن السلطة السياسية، واعتبرت أن المنافسة المفتوحة بين الآراء تؤدي دائماً إلى ظهور الحقيقة وتحقيق الصالح العام.
لكن هذا لم يحدث بالفعل، فمع تطور الصحافة التجارية في الولايات المتحدة وأوروبا خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ظهرت مشكلات كبيرة كشفت عيوب النظرية الليبرالية. فقد تحولت بعض الصحف إلى مؤسسات تجارية ضخمة تبحث عن الربح من خلال الإثارة أكثر من البحث عن الحقيقة. فظهرت «الصحافة الصفراء» التي اعتمدت على المبالغة والفضائح والعناوين المثيرة لجذب الجمهور.
كذلك ظهرت مشكلة احتكار وسائل الإعلام. فبدلاً من وجود سوق حرة للأفكار كما افترضت الليبرالية، أصبحت ملكية وسائل الإعلام تتركز في أيدي عدد محدود من الشركات ورجال الأعمال القادرين على التأثير في الرأي العام والسياسة. وهذا يعني أن حرية الإعلام أصبحت في الواقع مرتبطة بقوة المال والنفوذ الاقتصادي. لذلك، قال النقاد في حينها إن النظرية الليبرالية تحمي حرية المؤسسات الإعلامية الكبرى أكثر مما تحمي حق المجتمع في الحصول على معلومات دقيقة ومتوازنة.
ومن هنا، بدأ كثير من الباحثين والسياسيين يرون أن الحرية الإعلامية المطلقة قد تؤدي إلى التضليل بدلاً من خدمة الحقيقة. وفي عام 1942م تشكلت لجنة علمية في الولايات المتحدة الأمريكية تحت اسم «لجنة حرية الصحافة»، برئاسة روبرت هاتشينز رئيس جامعة شيكاغو في ذلك الوقت، بهدف دراسة أوضاع الصحافة وحرية الإعلام وعلاقتهما بالمجتمع. وأصدرت اللجنة تقريرها الشهير عام 1947م بعنوان «صحافة حرة ومسؤولة» الذي أكد أن حرية الإعلام ليست حقاً مطلقاً بل يجب أن تقترن بالمسؤولية الاجتماعية. ودعت اللجنة وسائل الإعلام إلى تقديم معلومات دقيقة ومتوازنة، وتمثيل مختلف فئات المجتمع، والالتزام بأخلاق المهنة، وخدمة الصالح العام. ومن هذه التوصيات ظهرت نظرية المسؤولية الاجتماعية بوصفها تطويراً للنظرية الليبرالية ومحاولة لتحقيق التوازن بين حرية الإعلام ومسؤوليته تجاه المجتمع.
وبهذا، أدت نظرية المسؤولية الاجتماعية إلى ترسيخ فكرة أن حرية الإعلام يجب أن تقترن بالالتزام المهني والأخلاقي تجاه المجتمع، وساهمت بشكل كبير في ظهور مفهوم «أخلاقيات المهنة الإعلامية» و«مواثيق الشرف الصحفي» في العديد من دول العالم. وأكدت النظرية أن وسائل الإعلام لا ينبغي أن تعمل فقط بمنطق السوق والربح، بل يجب أن تلتزم بالدقة والموضوعية واحترام الخصوصية وتجنب التضليل والإثارة وخطاب الكراهية.
ومن هنا، بدأت المؤسسات الإعلامية واتحادات الصحافيين في وضع مواثيق أخلاقية تنظم العمل الإعلامي وتحدد مسؤوليات الصحفيين تجاه المجتمع والجمهور. كما ظهرت نقابات واتحادات مهنية للصحافيين للدفاع عن حرية الصحافة من جهة، ومراقبة الالتزام بالمعايير المهنية من جهة أخرى، وأصدرت مواثيق تؤكد مبادئ النزاهة والدقة والاستقلالية وخدمة المصلحة العامة.










































