اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - ليس أصعب على المواطن من المشكلة نفسها إلا أن يراها تنتقل من عام إلى آخر، ومن حكومة إلى أخرى، ومن لجنة إلى لجنة، بينما تتغير العناوين ويبقى جوهر الأزمة في مكانه. الأردن لا يعاني نقصاً في تشخيص التحديات، ولا في الدراسات والاستراتيجيات والبرامج؛ فالكثير من مشكلاتنا الاقتصادية والإدارية والخدمية معروفة منذ سنوات. التحدي الحقيقي أصبح في المسافة بين معرفة المشكلة واتخاذ القرار الذي ينهيها.
لقد دخل الأردن خلال السنوات الماضية مرحلة واسعة من التحديث السياسي والاقتصادي والإداري، وارتفعت معها سقوف التوقعات لدى المواطنين. وهذا طبيعي، لأن أي مشروع تحديث لا يقاس في النهاية بعدد الوثائق التي صدرت باسمه، وإنما بمقدار التغيير الذي أحدثه في حياة الناس. المواطن لا يستطيع أن يعيش داخل الخطة، لكنه يستطيع أن يشعر بنتائجها عندما يجد فرصة عمل، أو تتحسن خدمته، أو تنخفض مدة معاملته، أو يبدأ مشروع كان ينتظره منذ سنوات.
وهنا تصبح الجرأة في القرار ضرورة وليست خياراً إدارياً. فالقرارات السهلة غالباً لا تعالج المشكلات الصعبة، وبعض الملفات الأردنية وصلت إلى مرحلة تحتاج فيها إلى الحسم أكثر مما تحتاج إلى المزيد من التشخيص. البطالة، الاستثمار، النقل، المياه، التعليم، الإدارة العامة، تنمية المحافظات، المديونية، والضمان الاجتماعي وغيرها ملفات تحتاج إلى سياسات طويلة المدى، لكن طول الطريق لا ينبغي أن يصبح مبرراً لبطء الخطوة الأولى.
المشكلة في ترحيل الأزمات أن كلفتها لا تبقى ثابتة. المشروع الذي يمكن تنفيذه اليوم بكلفة معينة قد يصبح أغلى بعد سنوات، والشاب الذي يبقى خارج سوق العمل عاماً إضافياً لا يخسر راتب عام فقط، بل يخسر خبرة وفرصة وتراكماً مهنياً. والبنية التحتية التي تؤجل صيانتها لا تنتظر بهدوء، بل تتراجع حتى تصبح كلفة إصلاحها أكبر. ولهذا فإن التأجيل في الإدارة العامة ليس دائماً قراراً محايداً؛ أحياناً يكون قراراً له فاتورة لا تظهر فوراً.
الأردن يمتلك اليوم فرصة مهمة. هناك استقرار سياسي وأمني، وعلاقات دولية واسعة، ومشروعات كبرى يجري العمل عليها، ورؤية اقتصادية محددة الاتجاهات، وقطاع خاص يمتلك خبرات، وشباب لديهم قدرة على التعلم والتكيف. لكن تجميع هذه العناصر داخل وثيقة لا يكفي. المطلوب أن تتحول إلى ماكينة تنفيذ تعمل بوتيرة يشعر بها المجتمع.
ولا تعني القرارات الجريئة قرارات مفاجئة أو شعبوية أو غير مدروسة. الجرأة الحقيقية قد تكون في إلغاء إجراء حكومي لم يعد له مبرر، أو إعادة هيكلة مؤسسة لم تعد تؤدي وظيفتها بكفاءة، أو وقف مشروع ثبت عدم جدواه، أو إعطاء مشروع ناجح مساحة أكبر، أو مواجهة اختلال ظل الجميع يعرفه ويتجنب الاقتراب منه.
كما أن الجرأة قد تكون في الاعتراف بأن سياسة ما لم تحقق أهدافها. الحكومات القوية ليست التي تدافع عن كل قرار اتخذته، وإنما التي تملك القدرة على قياس نتائجه وتعديله عندما تثبت التجربة الحاجة إلى ذلك. فالرجوع عن قرار غير ناجح ليس ضعفاً، والإصرار عليه لمجرد الدفاع عنه ليس قوة.
وفي المقابل، يحتاج المواطن أيضاً إلى خطاب حكومي مختلف. ليس مطلوباً أن تعد الحكومة الناس بأن كل شيء سيتغير غداً، فهذه وعود يعرف الجميع أنها غير واقعية. المطلوب أن تقول بوضوح: هذه المشكلة، وهذا القرار، وهذه كلفته، وهذه مدة تنفيذه، وهذه الجهة المسؤولة عنه، وهذا ما تحقق حتى الآن.
بهذه الطريقة تتحول العلاقة بين الحكومة والمواطن من علاقة وعود إلى علاقة نتائج قابلة للقياس.
ولعل أحد أهم التحولات المطلوبة هو إنهاء ثقافة المشروع الذي يعلن ثم يختفي من النقاش العام. عندما تعلن الدولة مشروعاً كبيراً، يجب أن يستطيع المواطن بعد ستة أشهر أو عام معرفة أين وصل. نسبة الإنجاز ليست معلومة فنية تخص الوزارة وحدها؛ إنها حق للرأي العام عندما يكون المشروع ممولاً من المال العام أو مرتبطاً بخدمة عامة.
الأمر نفسه ينطبق على اللجان. تشكيل اللجنة قد يكون ضرورياً عندما تحتاج القضية إلى خبرات متعددة، لكن اللجنة يجب أن تكون وسيلة للوصول إلى القرار، لا محطة انتظار للملف. لكل لجنة مهمة وموعد ونتيجة، وإلا تحولت الأداة التي أنشئت لحل المشكلة إلى طريقة لتأجيلها.
وفي الاقتصاد تحديداً، لا يملك الأردن ترف البطء. المنطقة من حولنا تتغير بسرعة، والاستثمارات تتحرك، والتكنولوجيا تغير طبيعة الوظائف، وأسواق جديدة تظهر وأخرى تتراجع. المستثمر لا ينتظر إلى الأبد، والشركة التي تبحث اليوم عن موقع لمشروعها قد تتخذ قرارها خلال أشهر، والفرصة التي لا نلتقطها نحن قد تذهب ببساطة إلى دولة أخرى.
ولهذا يجب أن تصبح سرعة القرار جزءاً من تنافسية الاقتصاد الأردني. لا نحتاج إلى تجاوز القانون أو الرقابة، بل إلى قانون واضح وإدارة تستطيع اتخاذ القرار ضمنه. هناك فارق كبير بين التدقيق والبطء، وبين الرقابة وتعطيل المبادرة، وبين حماية المال العام والخوف من اتخاذ أي قرار يتعلق به.
كما أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى نقل مركز الاهتمام من إطلاق المشاريع إلى إنهائها. حفل افتتاح المشروع جميل، لكن الأهم هو يوم تسليمه. الإعلان عن الاستثمار مهم، لكن الأهم هو اليوم الذي يبدأ فيه الإنتاج ويوظف الأردنيين. توقيع الاتفاقية مهم، لكن قيمتها الحقيقية تظهر عندما تتحول إلى شيء قائم على الأرض.
وفي هذا السياق، لا بد أن تحصل المحافظات على نصيب أكثر وضوحاً من التنفيذ. فالحديث عن التنمية لا يكتمل إذا بقيت الوظائف النوعية والاستثمارات والخدمات المتقدمة متركزة في مناطق محددة. المواطن في الطفيلة والكرك ومعان والمفرق وعجلون وجرش وإربد والزرقاء لا يريد أن يسمع فقط أن الاقتصاد ينمو؛ يريد أن يرى أين توجد فرصته داخل هذا النمو.
وهذه نقطة أساسية في بناء الثقة. الأرقام الاقتصادية مهمة، لكن المواطن يقيس الاقتصاد بطريقة أكثر بساطة: هل تحسن دخلي؟ هل وجدت ابنتي وظيفة؟ هل يستطيع ابني بدء مشروع؟ هل أصبحت الخدمة أفضل؟ وهل أشعر بأن السنوات المقبلة تحمل إمكانية حقيقية للتقدم؟
ليس مطلوباً من الحكومة أن تحقق كل ذلك دفعة واحدة، ولا يمكن تحميل حكومة واحدة مسؤولية تراكمات عقود. لكن من حق الناس أن يروا اتجاهاً واضحاً وسرعة أكبر في الملفات التي يمكن تحريكها.
الأردن أثبت في مراحل كثيرة قدرته على إدارة الأزمات عندما تصبح طارئة. وربما التحدي الأكبر الآن هو أن نستخدم القدرة نفسها قبل أن تتحول المشكلات إلى أزمات. فالإدارة الوقائية أرخص من إدارة الطوارئ، والقرار المبكر أقل كلفة من القرار الذي نتخذه عندما تضيق الخيارات.
لقد أصبح لدى الدولة اليوم ما يكفي من الخطط لتعرف إلى أين تريد الذهاب. المرحلة القادمة تحتاج إلى شيء آخر: تحديد ما الذي يمنع الوصول، وإزالة العائق، ثم الانتقال إلى الملف التالي.
فالناس لا تنتظر معجزة اقتصادية، لكنها تنتظر أن ترى أن الملفات تتحرك، وأن المشكلة التي نوقشت عشر سنوات لن تحتاج إلى عشر سنوات أخرى، وأن المسؤولية لا تنتقل مع الملف من مكتب إلى آخر حتى ينسى الجميع متى بدأت.
بين الوعود والواقع توجد مساحة اسمها التنفيذ، وفي هذه المساحة تحديداً ستُقاس قدرة المرحلة المقبلة على إحداث الفرق.
الأردن لا يحتاج إلى القفز في المجهول، لكنه يحتاج إلى الشجاعة لاتخاذ القرارات التي أصبحت ضرورتها معروفة، وإلى وضع مواعيد واضحة للإنجاز، ومصارحة الناس بالكلفة والنتيجة، ومحاسبة التقصير عندما يقع.
فالأزمات التي نؤجلها لا تختفي؛ إنها تنتظرنا في المستقبل وقد أصبحت أكثر تعقيداً وكلفة.
والدولة التي تريد أن تسبق أزماتها لا تنتظر حتى تفرض المشكلات قراراتها عليها، بل تتخذ القرار في الوقت الذي ما تزال فيه تملك مساحة واسعة للاختيار.












































