اخبار السعودية
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٨ نيسان ٢٠٢٦
محللون يؤكدون لـ 'اندبندنت عربية' أن التحول الهيكلي يرسخ قطاعات جديدة ويعيد صياغة مصادر الدخل
قال اقتصاديون لـ 'اندبندنت عربية' إن مسار التحول الذي تقوده 'رؤية 2030' لم يعد مجرد توجه إصلاحي بل أصبح إعادة صياغة شاملة لبنية الاقتصاد، إذ لم يعد النفط المحدد الوحيد لمسار النمو بل أحد مكوناته ضمن منظومة أوسع تقودها القطاعات غير النفطية، موضحين أن ما تحقق يعكس انتقالاً تدريجاً ومدروساً نحو اقتصاد أكثر تنوعاً، يقوم على تعدد مصادر الدخل ويستند إلى سياسات مالية وتنظيمية أعادت توجيه بوصلة النشاط الاقتصادي نحو الاستدامة.
وأضاف اقتصاديون أن التحول تجسد بوضوح في صعود قطاعات لم تكن في صدارة المشهد سابقاً، وفي مقدمها السياحة والترفيه، التي تحولت من نشاط هامشي إلى ركيزة اقتصادية فاعلة، مدفوعة بإصلاحات تشريعية ومشاريع كبرى غيرت ملامح السوق، مشيرين إلى أن البيئة الاستثمارية شهدت تطوراً لافتاً أسهم في جذب الشركات العالمية وتحويل السوق إلى وجهة استثمارية حقيقية، وهو ما يعكس تغيراً في النظرة الدولية لدور الاقتصاد السعودي في المنطقة والعالم.
وأشار التقرير السنوي لـ'رؤية 2030' لعام 2025 إلى تحقيق مستويات مرتفعة من الإنجاز، إذ بلغت نسبة المؤشرات التي حققت مستهدفاتها السنوية أو تجاوزتها نحو 93 في المئة، من إجمال 390 مؤشراً لديها قراءات مفعلة، مما يعكس اتساع نطاق التقدم عبر مختلف محاور الرؤية وعدم اقتصاره على قطاعات محددة.
وفي تفصيل الأداء تمكن 309 مؤشرات من تحقيق أو تجاوز مستهدفاتها المرحلية، فيما اقترب 52 مؤشراً من تحقيق أهدافها بنسب تراوح ما بين 85 و99 في المئة، في دلالة على أن الغالبية العظمى من المؤشرات تسير ضمن المسار المخطط أو قريبة جداً من تحقيقه، مما يعزز استقرار وتيرة التنفيذ.
وعلى مستوى المبادرات بلغ عدد المفعلة منها 1290 مبادرة، منها 935 مبادرة مكتملة و225 مبادرة تسير على المسار الصحيح، لترتفع نسبة المبادرات المكتملة أو التي تسير وفق الخطة إلى نحو 90 في المئة، مما يعكس تحسناً ملاحظاً في كفاءة التنفيذ وتسارعاً في وتيرة الإنجاز ضمن الأطر الزمنية المحددة.
وفي السياق تتكامل هذه التحولات مع ما أشار إليه أستاذ العلوم المالية في جامعة الإمام الدكتور محمد مكني، الذي أوضح أن ما حدث خلال الأعوام الماضية لم يكن مجرد إصلاحات سطحية بل تحول هيكلي تدعمه أرقام حقيقية، إذ ارتفعت مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي الإجمالي إلى 56 في المئة، ونما الناتج غير النفطي بأكثر من 40 في المئة خلال عقد واحد، وهو ما يعكس عمق التحول في بنية الاقتصاد، مضيفاً أن الإيرادات الحكومية غير النفطية سجلت نمواً لافتاً بعدما ارتفعت بنحو 170 في المئة مقارنة بمستويات عام 2016، في وقت يقترب الاقتصاد من تحقيق مستهدفاته طويلة الأجل، مشيراً إلى أن هذا المسار يعكس تحولاً حقيقياً في مصادر الدخل، ولا سيما مع تفوق الإيرادات غير النفطية على النفطية واستمرار هذا الاتجاه لأعوام عدة، بما يعزز استدامة المالية العامة.
وتابع مكني أن جوهر هذا التحول لا يكمن في الاستغناء عن النفط بل في تقليل الاعتماد عليه كمصدر وحيد للدخل، وهو ما أكده وزير المالية السعودي محمد الجدعان الذي شدد على أن النفط سيظل عنصراً مهماً في دعم الاقتصاد، مع توجيه عوائده نحو بناء مصادر دخل بديلة واستثمار الفوائض للأجيال المقبلة.
وفي موازاة ذلك أشار مكني إلى أن الرؤية أسهمت في إحداث نقلة نوعية في قطاعات عدة، وفي مقدمها السياحة التي تجاوزت مستهدفاتها قبل الموعد المحدد، مدعومة بتحديثات تنظيمية ومشاريع كبرى مثل 'نيوم' و'البحر الأحمر' و'القدية' و'العلا'، وهو مما عزز دورها كأحد محركات التنويع الاقتصادي، موضحاً أن الاستثمار الأجنبي المباشر شهد تحولاً لافتاً مع تضاعف تدفقاته وزيادة عدد الشركات العالمية التي نقلت مقارها الإقليمية، مما يعكس تحسن البيئة الاستثمارية وتعزيز مكانة الاقتصاد السعودي كمركز اقتصادي جاذب، أما على مستوى سوق العمل أوضح مكني أن التحولات الاقتصادية انعكست بوضوح على المجتمع، مع تراجع معدلات البطالة وارتفاع مشاركة المرأة، مما يعكس تغيراً هيكلياً في سوق العمل يعزز من استدامة النمو الاقتصادي.
وفي سياق متصل قال الكاتب والباحث الاقتصادي علي الحازمي إن المشهد الاقتصادي الحالي يتطلب قراءة دقيقة للمتغيرات العالمية والتحديات الإقليمية، خصوصاً في ما يتعلق بأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، مبيناً أن السياسات النقدية العالمية، وعلى رغم دورها في كبح التضخم، تفرض تحديات على معدلات النمو ولا سيما في الأسواق الناشئة، وموضحاً أن التحول الرقمي والتكنولوجيا المالية أصبحا ركيزة أساسية في استدامة الأعمال، في وقت تبحث الاستثمارات الأجنبية عن بيئات مستقرة ومحفزة، مما يعزز أهمية الاستمرار في تطوير الأطر التشريعية والتنظيمية.
من جانبه قال رئيس أول إدارة الأصول في شركة 'أرباح كابيتال' محمد الفراج إن الاقتصاد السعودي يشهد تحولاً عميقاً أعاد رسم خريطة التنمية، مع تراجع الاعتماد على الموارد الهيدروكربونية في مقابل صعود الأنشطة غير النفطية كمحرك رئيس للنمو، مضيفاً أن هذا التحول انعكس على تنويع مصادر الإيرادات وتعزيز مرونة المالية العامة، على رغم استمرار التحديات المرتبطة بتقلبات أسواق الطاقة، مما يتطلب مواصلة تسريع وتيرة التنويع الاقتصادي، مشيراً إلى أن 'صندوق الاستثمارات العامة' يؤدي دوراً محورياً في هذا التحول باعتباره أداة إستراتيجية لتوجيه الاستثمارات نحو قطاعات جديدة، مما يسهم في بناء اقتصاد إنتاجي متنوع وقائم على الابتكار والقيمة المضافة، لافتاً إلى أن بيئة الأعمال شهدت تحسناً ملاحظاً مما أسهم في جذب الشركات العالمية، على رغم استمرار التحديات المرتبطة بالمنافسة الإقليمية على الاستثمارات النوعية.
وفي ما يتعلق بسوق العمل فقد أشار الفراج إلى أن التحول الاقتصادي انعكس في تحسن مؤشرات التوظيف وارتفاع المشاركة، مع بقاء الحاجة إلى تحسين جودة الوظائف ورفع الإنتاجية لضمان استدامة هذا التحول، متابعاً أن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة توازن دقيقة لضمان كفاءة الإنفاق وتحقيق عوائد اقتصادية ملموسة من المشاريع الكبرى، وبخاصة في ظل المتغيرات العالمية.
وأكد الفراج أن التحول نحو تمكين القطاع الخاص وتعزيز الاقتصاد المعرفي وجذب الاستثمارات النوعية يمثل الركيزة الأساسية للمرحلة المقبلة، بما يدعم الانتقال إلى نموذج اقتصادي أكثر استدامة، موضحاً أن الهدف لم يعد يقتصر على تنفيذ المبادرات بل يمتد إلى تحقيق عوائد مستدامة تعزز مناعة الاقتصاد وتدعم تحوله إلى مركز لوجستي وصناعي عالمي قادر على المنافسة.










































