اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٣ أيلول ٢٠٢٦
محمد بن عبدالله الحسيني
تأتي جمعية آداب وفنون السرد (نالا) واحدة من الكيانات الثقافية التي تسعى إلى إعادة تشكيل حضور السرد في المشهد الأدبي السعودي، عبر تحويله من ممارسة فردية إلى نشاط مؤسسي منظم. فالسرد، الذي ظل طويلًا حبيس المبادرات الشخصية والجهود الفردية، وجد في هذه الجمعية إطارًا يضمن له الاستمرارية، ويمنحه مساحة للتطور، ويعيد ربطه بجمهوره الطبيعي من القرّاء والمهتمين.
وتعمل الجمعية على بناء بيئة تُعنى بالنصوص السردية بمختلف أشكالها، من القصة القصيرة والرواية إلى السرديات الحديثة التي تتجاوز الشكل التقليدي. ويعكس هذا التوجه رغبة واضحة في مواكبة التحولات التي يشهدها الأدب عالميًا، وفي الوقت نفسه الحفاظ على خصوصية التجربة المحلية التي تحمل ملامح المكان والإنسان السعودي. ومن خلال اللقاءات والورش والحوارات المفتوحة، تحاول الجمعية أن تخلق منصة تجمع بين المبدع والناقد والقارئ، بحيث يصبح السرد مشروعًا جماعيًا لا مجرد إنتاج فردي.
وفي هذا الإطار، تواصل الجمعية توسيع حضورها عبر مبادرات نوعية تُعزّز مكانة السرد السعودي وتحتفي بتجلياته المختلفة؛ إذ أطلقت الجمعية مسابقة ثقافية احتفاءً بالقصة القصيرة السعودية، وتعريفًا بروّادها وأبرز تجاربها ومحطاتها الإبداعية. وتأتي هذه المسابقة بوصفها امتدادًا لجهود الجمعية في دعم المواهب، وتوثيق المنجز السردي، وإبراز الأصوات التي أسهمت في تشكيل هذا الفن وتطويره.
وفي هذا السياق أيضًا، يبرز ملتقى نالا للسرد بوصفه أحد أهم الفعاليات التي تعزز حضور الجمعية في المشهد الثقافي، إذ يقام يومي '9 و10 سبتمبر' الجاري بالرياض، ضمن برنامج حافل بالجلسات النقدية، والقراءات والشهادات القصصية، وإصدارات الملتقى، وحوارات تستكشف تحولات القصة القصيرة وأسئلتها الفنية وآفاقها الجديدة. إنه موعد مع الحكاية والنقد والتجربة، وفرصة للقاء أصوات سردية متعددة في مكان واحد، والاحتفاء بفنٍ ظل حاضرًا بقوة في ذاكرة الأدب العربي وتجدداته، مما يمنح الحركة السردية طاقة معرفية متجددة ويعزز حضورها المؤسسي.
ويمتد أثر الجمعية ليصل إلى المواهب الشابة التي تجد فيها مساحة آمنة للتجربة والتعلم، بعيدًا عن أحكام السوق أو ضغوط النشر التجاري. فبرامج التدريب، وورش الكتابة، ومساحات القراءة الجماعية تمنح هذه المواهب فرصة لصقل أدواتها، وتطوير لغتها، وفهم بنية السرد بعمق أكبر. كما أن وجود بيئة نقدية مسؤولة يساعدهم على تجاوز الأخطاء الأولى التي عادة ما تعيق تطور الكاتب في بداياته، ويمنحهم رؤية أوضح لمسارهم الإبداعي.
أما على مستوى تطوير النقد الأدبي، فقد تسهم الجمعية في إعادة الاعتبار لهذا الجانب بوصفه جزءًا أساسيًا من صناعة الأدب، لا مجرد تعليق جانبي على النصوص. فالحوارات النقدية، واللقاءات المتخصصة، وفتح المجال أمام النقاد الشباب، كلها خطوات تعيد تشكيل الوعي النقدي وتمنحه حضورًا أكثر توازنًا.
إن جمعية آداب وفنون السرد تمثل خطوة مهمة في مسار تطوير الأدب السعودي، لأنها تعيد ترتيب العلاقة بين الكاتب والنص والجمهور، وتمنح السرد مكانته التي يستحقها بوصفه أحد أهم الفنون القادرة على التعبير عن الإنسان وتحولاته. ومع استمرار نشاطها واتساع برامجها وفعالياتها، ودعمها للمواهب الشابة وتطويرها للوعي النقدي، يمكن القول إن المشهد السردي يتجه نحو مرحلة أكثر نضجًا، وأكثر قدرة على إنتاج أعمال تحمل قيمة فنية ومعرفية، وتساهم في بناء حضور أدبي سعودي يليق بحجم التحولات الثقافية التي تعيشها المملكة في ظل رؤية السعودية 2030.










































