اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢١ تموز ٢٠٢٦
فهد الأحمري
تتحرك عقارب المعاملات اليومية في أحيائنا المعاصرة حول عناوين برّاقة مثل 'جودة الحياة'، غير أن الواقع الاجتماعي يؤكد أن جودة الحياة الحقيقية لا تُقاس بجمال الواجهات الحقيقة بل تُصنع خلف الأبواب المغلقة، وفي تفاصيل التعايش اليومي بين الجيران.
الجوار ليس مجرد تلاصق في الجغرافيا، بل هو عقد أخلاقي غير مكتوب، ومساحة لاختبار المروءة والشهامة؛ فمن مأثور شيمنا السعودية الأصيلة أن ضيف جارك هو ضيفك، وأهله هم أهلك، وإخوانه هم إخوانك. وبالتالي تقتضي المروءة أن تتسع النفوس لزوار الجار في أفراحه قبل أن تتسع لهم الشوارع، فالجار شريك في الطمأنينة، وخط دفاع أول عن السكينة، ورحابة الصدر معه ترجمة حية لحقوق رتّبها الشرع الحنيف، وعززتها شيمنا.
ومع ذلك، تبرز في بعض أحيائنا سلوكيات غريبة تضيق بها المروءة؛ مواقف متشنجة تصدر لأجل مساحة سيارة! فيلجأ البعض إلى أساليب انفعالية عابرة؛ كإتلاف الممتلكات بتخديش المركبة، أو إفراغ الهواء من إطاراتها، أو رفع مساحات الزجاج كرسالة تهديد واستفزاز، وغيرها من الأساليب لمجرد أنه اضطر للوقوف أمام منزله.
وهنا، يجب أن نقف وقفة وعي أمام النظام؛ فهذه المساحات ليست أملاكاً خاصة تحكمها الصكوك، بل هي مرافق عامة تنظمها الدولة لمنفعة الجميع، وحدود ملكية صاحب المنزل تنتهي تماماً عند بوابة بيته وحدود صكه، وما دون ذلك، فهو فضاء مشترك يدار بالذوق العام والأنظمة المرعية، ولا يجوز لأحد احتكاره أو تنصيب نفسه رقيباً ومحاسباً فيه.
وفي مقابل تلك التصرفات، تسجل الذاكرة نماذج حضارية بالغة النبل تعيد صياغة مفهوم المروءة؛ كأحد الجيران الذي أراد الخروج من بيته؛ ليجد سيارة أحد ضيوف جاره تقف أمام كراجه الخاص مغلقة أمامه المنفذ، وبدلاً من الغضب أو الاتصال بالمرور وإفساد بهجة لقاء الجيرة، قام -بكل هدوء- بطلب سيارة أجرة عبر هاتفه ليقضي مشواره الطارئ، كفاً للإزعاج وتقديرًا لجاره وزائريه، هذا النبل تصرف تعجز الكلمات عن تقديره، وهو الذي يبني مجتمعاً متماسكاً يسوده السلام.
بصيرة:
جودة الحياة في أحيائنا لا تقاس بجمال واجهات المنازل وفخامتها وأنسنة طرقاتها ومرافقها فحسب، بل برحابة صدور الساكنين فيها، ولطف تعاملهم، ولنتذكر دائمًا أن البيوت تشترى وتباع، ونذهب عنها، أما الجار الشهم، فهو رزق نادر لا يقدر بثمن، وصيانة، ودّه وحفظ كرامته تبدأ من عتبة الطريق، وتتجلى في مواقف الضيق.. دمتم جيرانًا متحابين، ودمتم ذوي مروءة تسع الجميع.










































