اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٣٠ أيار ٢٠٢٦
محمد بن مساعد العصيمي
يقولون إن السفينة الجيدة تُبحر بثبات مهما كانت الرياح بفضل دفة متقنة. المؤسسات الناجحة تمضي أيضاً بقوة، مستندة إلى نظم واضحة وحوكمة راسخة تجعل الإبداع الفردي جزءًا من منظومة متكاملة. كما قال بيتر دراكر: 'ما يمكن قياسه يمكن إدارته'. دراكر، المعروف باسم 'أب الإدارة الحديثة' وأحد أبرز مفكري الإدارة والاستراتيجية المؤسسية في القرن العشرين، ركز على أهمية توثيق الخطوات وتوحيد المعايير لتحقيق نجاح مستدام والقياس المستمر للعمليات والمخرجات كأداة أساسية للإدارة الفعّالة والنمو المؤسسي.
تُقاس قوة المؤسسات والشركات بمدى تماسك أنظمتها الداخلية وقدرة معاييرها على توجيه الأداء وضمان استدامة العمل بعيداً عن الاجتهادات الفردية والمواقف العارضة. يظهر الفرق الجوهري بين الشركات التي تنجح في ترسيخ حضورها في السوق وتلك التي تتعثر عند أول تحدٍّ تنظيمي أو تطبيقي في مدى التزام الكيان بمنظومة متكاملة من السياسات والإجراءات والحوكمة، وتعمل وحدة متشابكة لتوحيد الأداء وتحقيق نتائج موثوقة.
جوهر المعيارية يكمن في تحويلها إلى ثقافة تنظيمية متأصلة في وعي الموظف بقواعد العمل والالتزام بها، فالسياسات تحدد المسار الاستراتيجي، والإجراءات توضّح خطوات التنفيذ، والنماذج والأنظمة تضبط العمل اليومي، لتأتي الحوكمة وتربط هذه العناصر معاً عبر تنظيم القرار وتوزيع المسؤوليات، وهذا يمكن المؤسسة من النمو المستمر والتطور الباهر من خلال إجراءات واضحة للأشخاص ولا يتأثر بانتقال أو تقاعد كفاءة أو تغيير قيادة.
تؤكد تجارب الشركات العالمية أن التكامل الداخلي يعمل كصمام أمان حقيقي. وفقاً لتقارير بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي 2023، تتوقف نحو 40 % من الشركات الصغيرة والمتوسطة عن العمل خلال السنوات الخمس الأولى، وغالباً بسبب تشتت المسؤوليات وغياب وضوح العمليات، وتتقاطع هذه النتائج مع تقارير وكالة 'ستاندرد آند بورز' 2023، حيث تسجل المؤسسات التي تعتمد حوكمة معيارية متكاملة معدلات ثبات أعلى وقدرة أكبر على الوفاء بالالتزامات المالية، مع نمو مستدام في بيئات تنافسية معقدة وتحافظ على جودة المنتجات والخدمات وتجربة العملاء، وتقل فيها الأخطاء التشغيلية مما يسهل التوسع بشكل منظم.
الخبرات في المملكة تدعم هذه النتائج، حيث أظهرت دراسة جامعة الملك عبدالعزيز 2021 أن المؤسسات التي تعتمد سياسات معيارية تحقق تحسناً ملموساً في جودة المخرجات، مع تقليص حاد للأخطاء التشغيلية، وتسهل نقل الخبرات بين الموظفين. كما أكدت تقارير هيئة السوق المالية 2023 أن الشركات المدرجة الأكثر التزاماً بمعايير الحوكمة تتميز بالثبات والاستقرار في الأداء مقارنة بنظيراتها غير المنظمة. وفي القطاع الصناعي، أثبتت تقارير صندوق التنمية الصناعية السعودي 2022 أن المشاريع التي تعتمد سياسات معيارية واضحة تواجه معدلات فشل أقل بكثير، وتقل فيها المخاطر التشغيلية والمالية، مع قدرة أكبر على النمو المستدام.
في نهاية المطاف، تكسر المعيارية القيود التي تحد من الإبداع وتقلل البيروقراطية لتصبح الإطار الذي يحول الأداء إلى قوة مؤسسية مرنة، ويمنح لغة تواصل موحدة تُسهل اتخاذ القرارات وتقلل الهدر التشغيلي كما تبني استقراراً يزيد من ثقة الموظفين والعملاء على حد سواء، وتمكن المؤسسة من قراءة الفجوات التنظيمية ومعالجتها قبل أن تتسع، فالمعيارية هي الجسر الذي ينقل المنظمة نحو آفاق الاستدامة، حيث تتحول الجودة إلى قيمة ثابتة ويصبح النمو نتيجة لنظام متقن متكامل.










































