اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٤ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. مشاري النعيم
إذا قبلنا أن الجمال نسبي، يظهر لنا سؤال أكثر إزعاجاً: ماذا عن القبح؟ إذا لم يكن هناك معيار ثابت للجمال، فهل يمكن أن يكون هناك معيار للقبح؟ وهل يحق لنا أصلًا أن نصف مبنى أنه قبيح، أم أن علينا دائمًا أن نتراجع أمام العبارة المريحة: 'الأذواق تختلف'؟ هنا تتحول النسبية من مساحة للتسامح مع الاختلاف إلى مشكلة نقدية حقيقية..
ليس كل شكّ واحداً، فهناك شكّ يهدم اليقين لأنه لا يرى حقيقة واحدة يمكن الوصول إليها، وشكّ آخر يهدم ما نظنه يقيناً لكي يبحث عن حقيقة أكثر رسوخاً. وبين النوعين مسافة فكرية كبيرة، قد تساعدنا على فهم واحد من أقدم الأسئلة وأكثرها حضوراً في العمارة: ما الذي يجعل الشكل جميلاً؟ مقال الأسبوع الفائت حول 'الجمال حالة اجتماعية' أثار نقاشا بين الزملاء حول 'نسبية الجمال' التي لا تقود إلى نهاية يقينية، وهذا ذكرني بمقولة 'بروتاغوراس' الشهيرة: 'الإنسان مقياس الأشياء' قبل أكثر من ألفي عام. عبارة قصيرة، لكنها وضعت الإنسان في قلب علاقته بالحقيقة، فما نراه وندركه ونحكم عليه لا ينفصل عنا، ولا عن ثقافتنا وتجاربنا وزماننا.
وإذا كان الإنسان مقياس الأشياء، فهل هو أيضاً مقياس الجمال؟ ما الذي يجعل مبنى ما جميلاً؟ هل الجمال موجود في المبنى نفسه، في نسبه وتكوينه وإيقاعه ومواده؟ أم أنه لا يظهر إلا في عين من ينظر إليه؟ وهل يمكن أن نتفق على جمال مبنى كما نتفق على حقيقة رياضية، أم أن ما أراه جميلاً قد تراه أنت عادياً، وما احتفى به جيل قد يرفضه الجيل الذي يليه؟ لوقت طويل، حاولت العمارة أن تجد شيئاً من اليقين في الجمال. يكفي أن نتأمل 'البارثينون' في أثينا لنرى كيف لا يقدم الجمال باعتباره نزوة فردية، بل يبدو كأنه نتيجة لنظام: نسب، وإيقاع، وتوازن، وعلاقات محسوبة بين الجزء والكل. وكأن وراء الشكل قانوناً يمكن اكتشافه، وأن الجمال، مهما اختلفنا حوله، ليس منفصلاً تماماً عن النظام.
لكن التاريخ المعماري لا يقدم إجابة بهذه السهولة. فما اعتبره عصر ما خروجاً على الذوق قد يصبح لاحقاً من أكثر مبانيه حضوراً، فعندما ظهر مركز 'بومبيدو' في قلب باريس في سبعينيات القرن الماضي، بدا لكثيرين كأنه يقلب صورة المبنى رأساً على عقب: الإنشاء والخدمات التي اعتدنا إخفاءها انتقلت إلى الخارج، والمبنى الثقافي ظهر أقرب إلى آلة ضخمة منه إلى الصورة التقليدية للمؤسسة الثقافية. هل كان ذلك قبحاً؟ أم أننا كنا أمام جمال لم نتعلم بعد كيف نراه؟ هنا يعود 'بروتاغوراس'، فإذا كان الإنسان مقياس الأشياء، فإن أحكامنا الجمالية ليست بريئة من الزمن. نحن لا ننظر إلى المبنى بأعيننا فقط، بل ننظر إليه أيضاً بما تعلمناه، وبما اعتدناه، وبالصور التي تراكمت في ذاكرتنا. وكأن الزمن لا يكتفي أن يمر على العمارة، بل يشاركنا الحكم عليها.
لكن إذا قبلنا أن الجمال نسبي، يظهر سؤال أكثر إزعاجاً: ماذا عن القبح؟ إذا لم يكن هناك معيار ثابت للجمال، فهل يمكن أن يكون هناك معيار للقبح؟ وهل يحق لنا أصلاً أن نصف مبنى أنه قبيح، أم أن علينا دائماً أن نتراجع أمام العبارة المريحة: 'الأذواق تختلف'؟ هنا تتحول النسبية من مساحة للتسامح مع الاختلاف إلى مشكلة نقدية حقيقية. لأننا إذا جعلنا كل حكم جمالي مسألة ذوق شخصي، فقد نفقد في النهاية القدرة على نقد العمارة نفسها. فهل كل الأشكال متساوية ما دام لكل منها من يعجبه؟ وهل يكفي أن يقصد المعماري الاختلاف حتى يصبح اختلافه قيمة؟ وهل كل ما هو جديد يستحق أن يكون جميلاً لمجرد أنه لم يكن موجوداً من قبل؟
بعد قرون طويلة من 'بروتاغوراس'، جاء 'ديكارت' بنوع آخر من الشك. لم يكن شكه دعوة إلى البقاء في حالة من عدم اليقين. لقد شك لأنه أراد أن يصل إلى شيء لا يستطيع أن يشك فيه. وضع الأفكار والمسلمات التي ورثها موضع الاختبار، لا لكي يهدم المعرفة، بل لكي يعيد بناءها على أساس أكثر صلابة. ومن هنا جاءت عبارته الأشهر: 'أنا أفكر، إذن أنا موجود'. الشك عند ديكارت ليس نهاية الطريق، بل أداته للوصول إلى اليقين. وهذا الفارق مهم للعمارة، فالمعماري يحتاج إلى الشك، يحتاج أن يشك في القواعد التي ورثها، وفي الصور التي اعتادها، وفي الأشكال التي أصبحت مألوفة إلى درجة أننا توقفنا عن السؤال عنها. يحتاج أن يسأل: لماذا يجب أن يكون المبنى بهذه الصورة؟ ولماذا نعتبر هذا التكوين جميلاً؟ ولماذا نكرر هذه اللغة المعمارية؟ بل عليه أن يذهب إلى سؤال أصعب: هل ما نسميه 'هوية معمارية' نابع بالفعل من المكان والمجتمع، أم أنه أحياناً مجرد مجموعة من العناصر والأشكال التي كررناها حتى أصبحت في أذهاننا مرادفاً للهوية؟ هذا الشك ضروري، فمن دونه لا يحدث التجديد.
لكن ماذا يحدث عندما يتحول الشك من وسيلة إلى غاية؟ عندما يصبح هدم القاعدة أهم من البحث عما سيحل محلها، والاختلاف أهم من المعنى، والمفاجأة أهم من الاستمرار؟ هنا تبدأ إشكالية الشكل في كثير من العمارة المعاصرة. ولعل متحف 'غوغنهايم' في بلباو يضع السؤال أمامنا بوضوح، فكتل 'فرانك جيري' الملتوية والمكسوة بالتيتانيوم لا تحاول أن تخفي حضورها؛ المبنى يريد أن يكون حدثاً في المدينة، لا مجرد حاوية للفن. وقد أصبح بالفعل صورة ارتبطت ببلباو عالمياً. لكن نجاحه يطرح سؤالاً أخطر من تقليده: متى يكون الشكل الاستثنائي نتيجة لفكرة، ومتى تصبح الاستثنائية هي الفكرة؟
ربما هنا نستطيع أن نعيد التفكير حتى في معنى القبح. فالقبح في العمارة قد لا يكون مجرد شكل لا يعجبنا.. قد يكون انقطاع العلاقة بين الشكل وما يفترض أن يخدمه.. قد يصبح الشكل قبيحاً عندما يتجاهل الإنسان، أو يعادي مكانه، أو يستهلك موارد هائلة من أجل حركة شكلية لا ضرورة لها، أو يحول العمارة إلى مجرد صورة. وهذا لا يعني العودة إلى قانون عالمي يحدد الجميل والقبيح، ولا يعني أن هناك نسباً سحرية، إذا التزم بها المعماري، أنتج الجمال.. لكنه يعني أن عبارة 'الجمال مسألة ذوق' ليست كافية.










































