اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٨ حزيران ٢٠٢٦
علي بن محمد الغامدي
مع انطلاق منافسات كأس العالم 2026، تتجه أنظار مليارات المشاهدين نحو الدول المستضيفة، ليس لمتابعة كرة القدم فقط، بل لمشاهدة صورة متكاملة عن تلك الدول وما تمتلكه من مقومات اقتصادية وسياحية وثقافية، فخلف المباريات والأهداف يوجد حدث عالمي استثنائي يمنح الدول فرصة نادرة للتعريف بنفسها أمام جمهور يصعب الوصول إليه عبر أي حملة إعلانية تقليدية مهما بلغت ميزانيتها، وتتحول إلى محور اهتمام عالمي يستمر لأشهر قبل البطولة وأثناءها وبعدها.
منذ انطلاق أول نسخة من كأس العالم عام 1930 في الأوروغواي، ارتبطت البطولة بالرياضة والمنافسة الجماهيرية، إلا أن قيمتها الاقتصادية والتسويقية شهدت تحولًا جذريًا خلال العقود الأخيرة، فمع انتشار الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية، أصبحت البطولة واحدة من أكبر المنصات الإعلامية في العالم، حيث تتقاطع فيها السياحة والاستثمار والترفيه والإعلام الرقمي وصناعة المحتوى في حدث واحد.
اللافت أن القيمة التسويقية الحقيقية لكأس العالم لا تُقاس بعدد المباريات أو الحضور الجماهيري فقط، وإنما بحجم الصورة الذهنية التي تتشكل لدى مليارات الأشخاص عن الدولة المستضيفة، فالمشاهد الذي يتابع مباراة من منزله يشاهد في الوقت نفسه المدن والمعالم السياحية والبنية التحتية ومستوى التنظيم والخدمات، كما أن كل لقطة تلفزيونية أو مقطع رقمي أو تجربة يشاركها المشجعون تتحول إلى رسالة تسويقية غير مباشرة تصل إلى جمهور عالمي يصعب الوصول إليه عبر الحملات الإعلانية التقليدية.
هذا التأثير تضاعف بشكل كبير مع تطور الإعلام الرقمي، ففي كأس العالم 2014 بالبرازيل سجلت منصات التواصل الاجتماعي مئات الملايين من التفاعلات، ثم ارتفعت الأرقام بصورة أكبر في نسخة روسيا 2018، قبل أن تحقق بطولة 2022 في قطر أرقامًا قياسية في المشاهدات الرقمية وصناعة المحتوى عبر المنصات الاجتماعية، حيث لم يعد الجمهور يستهلك المحتوى الرياضي فقط بل يشارك في إنتاجه ونشره وتحليله، وهو ما يمنح الدول المستضيفة قوة تسويقية إضافية لا يمكن شراؤها بسهولة، لهذا تتعامل الحكومات مع استضافة البطولة كاستثمار استراتيجي طويل الأجل في السمعة الوطنية والتنافسية الاقتصادية.
الأثر لا يتوقف عند السياحة، فالتغطية الإعلامية العالمية ترفع من مستوى الوعي بالفرص الاستثمارية وتزيد من جاذبية الدولة للشركات ورواد الأعمال والفعاليات الدولية، والمستثمر الذي يشاهد قدرة دولة ما على إدارة حدث عالمي بهذا الحجم يكوّن انطباعًا إيجابيًا حول كفاءة البنية التحتية والقدرات التنظيمية وجودة الخدمات، وهي عناصر تؤثر بشكل مباشر على قرارات الاستثمار المستقبلية.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي تزداد أهمية هذه الأحداث بصورة أكبر، فخوارزميات المنصات الرقمية ومحركات البحث وتطبيقات التوصية تعيد إنتاج المحتوى المرتبط بالدولة المستضيفة وتضخمه وتعيد نشره لملايين المستخدمين حول العالم، وهنا تتحول التجارب الفردية والصور ومقاطع الفيديو والمنشورات اليومية إلى أصول رقمية تساهم في بناء الصورة الذهنية للدولة لفترات طويلة بعد انتهاء البطولة.
ومع اقتراب المملكة العربية السعودية من استضافة كأس العالم 2034، تبرز فرصة تاريخية تتجاوز حدود المنافسات الرياضية، حيث يشكل الحدث منصة عالمية لعرض منجزات المملكة الاقتصادية والتنموية، وتسليط الضوء على التحولات المتسارعة التي تقودها رؤية السعودية 2030، كما يمثل أداة تسويقية غير مسبوقة لتعزيز المكانة الدولية للمملكة وترسيخ صورتها كوجهة جاذبة للسياحة والاستثمار، وهو ما يجعل القيمة التسويقية للبطولة أحد أكثر المكاسب استدامة وتأثيرًا مقارنة بالعوائد الأخرى المصاحبة للحدث.










































