اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٤ أب ٢٠٢٦
يوم 24 أغسطس هو يوم توقف المطابع في مؤسسة اليمامة الصحفية عن طباعة «الرياض» و«اليمامة».
قد يكون من السهل أن نكتب عن هذا اليوم بوصفه يومًا حزينًا، نستعيد فيه رائحة الورق وصوت المطابع والحركة النشطة بعد الثانية عشرة ليلًا في منطقة المطابع والخدمات المساندة، مرورًا بذاكرة أجيال تعاقبت على الرياض واليمامة في هذه المؤسسة، وسهرهم وتعبهم من أجلهما.
ومن السهل أيضًا أن نذهب إلى الطرف الآخر من المشهد، فنقدمه باعتباره قصة نجاح، ونضع حول قرار التحول الرقمي عبارات براقة تتحدث عن المستقبل، وعن الشجاعة في اتخاذ القرار، وعن التجديد ومواكبة العصر.
لكن الحقيقة، في تقديري، أن الأمر والحال أكثر هدوءًا وصدقاً من ذلك كله.
هذا ليس يومًا حزينًا.. وليس قصة نجاح.
إنه يوم قرار، وقرار فقط.
قرار تأخر ربما كثيرًا، لما لا يقل عن أربع سنوات، حيث لاحظ الجميع الحاجة إلى ذلك، لكنه أصبح ضروريًا حين تغيرت صناعة الإعلام، وتغير القارئ، وتغير الإعلان، ولاحظنا الضعف المتزايد، وتغيرت الطريقة التي يصل بها الخبر إلى الناس، وما كان بالأمس قلب الصناعة الصحفية، لم يعد بالضرورة هو ما يحفظ للمؤسسات قدرتها على الاستمرار اليوم وغدًا.
الورق لم يكن يومًا «الرياض»، ولم يكن يومًا «اليمامة».
كان وسيلة، «وهي وسيلة عصرها»، حملت اسميهما إلى الناس لعقود طويلة، وكانت وسيلة عظيمة في زمنها، صنعت ذاكرة تستحق الاحترام. لكنها في النهاية تبقى وسيلة. أما القيمة الحقيقية فهي الصحافة نفسها: الخبر، والكلمة، والرأي، والمصداقية، والذاكرة، والحضور، والريادة، والأبطال الذين صنعوا كل ذلك على مدى عقود طويلة.
ولهذا لا أريد أن ننظر إلى توقف الورق باعتباره جنازة لمرحلة، ولا أن نحوله إلى احتفال بانتصار لم يتحقق بعد، لمجرد إيقاف الورق وتوقف آلات الطباعة العملاقة.
إن الصحافة «صناعة» تعتمد على الحضور والمصداقية، ولكنها أيضًا لغة أرقام وحسابات؛ فهي تعيش وتستمر، وتنمو وتكبر بذات اللغة المالية التي تقوم عليها الشركات التجارية. فلا صناعة تستمر دون حسابات الربح والخسارة، ودون رقابة مالية وحوكمة.
إن التحول الرقمي بحد ذاته ليس نجاحًا.
إيقاف المطبعة ليس نجاحًا.
تقليل التكاليف ليس نجاحًا.
والانتقال من صفحة ورقية إلى شاشة هاتف ليس نجاحًا.
النجاح يبدأ من اليوم، ولن يُحكم عليه اليوم.
سننجح عندما تصبح «الرياض» و«اليمامة» في فضائهما الرقمي أكثر حضورًا وتأثيرًا مما كانتا عليه في مرحلة الورق.
سننجح عندما نصل إلى أجيال جديدة تؤمن بحضورنا، دون أن نفقد ثقة الأجيال التي صنعت معنا هذه الرحلة.
سننجح عندما نبني نموذجًا اقتصاديًا قادرًا على تمويل صحافة محترفة ومستقلة في قرارها المهني، دون أن تكون عبئًا على النموذج المالي واستدامته.
سننجح عندما نستطيع، بعد سنوات، أن ننظر إلى قرارنا الجريء ونقول إننا لم نوقف شيئًا، بل أنقذنا ما يستحق أن يستمر .
أما اليوم، فلا أملك أن أقول ذلك بعد.
كل ما أستطيع قوله 'اخترنا ألا ندافع عن الوسيلة على حساب المؤسسة، وألا ندافع عن الوسيلة على حساب صوتنا الوطني، وألا نحافظ على المطبعة وفي الوقت ذاته نخسر الصحافة'.
أعرف أن للورق مكانة خاصة في نفوس كثيرين، وأنا واحد منهم. أعرف معنى أن تمسك عدد «الرياض» صباحًا، وأن تقلب صفحات «اليمامة» خلال عطلة نهاية الأسبوع. أجزم بأنه لن يرن هاتف مكتبي لأستقبل مكالمة من مشترك عزيز يشكو من تأخر وصول الاشتراك. وأدرك معنى أن ترى اسمك أو صورتك أو مقالك مطبوعًا في صفحة ستبقى في مكتبة أو أرشيف لسنوات.
هذه علاقة إنسانية لا تلغيها التقنية، ولا ينبغي لنا أن نسخر منها باسم التطور، ولكن الوفاء للماضي لا يعني أن نعيش فيه من أجل الذكريات فقط.
إن أجمل ما يمكن أن نقدمه لمن بنوا هذه المؤسسة قبلنا ليس أن نحافظ على شكلها كما تركوها، وإنما أن نحافظ على قدرتها على الحياة واستمرارها كما أرادوا لها أن تكون في الصفوف المتقدمة.
مؤسسة اليمامة الصحفية هي أجيال رائدة من الرجال الأوائل من المساهمين المُلاك والقادة والإداريين والصحفيين والكتاب والمصورين والفنيين والعمال. الكثير منهم رحل إلى رحمة الله، وبعضهم تقاعد، وبعضهم لا يزال بيننا. لكل واحد منهم مساهمة ثرية في هذا البناء. ولذلك فإن توقف الورق لا يمحو تاريخهم، كما أن التحول الرقمي لا يبدأ تاريخ المؤسسة من الصفر، وإنما هو إكمال للمسيرة عبر وسائل اليوم.
نحن لا نغلق كتابًا ونفتح كتابًا آخر، بل نقلب الصفحة لكي نستمتع بالقصة ونكمل فصولها.
وقد تكون الصفحة القادمة أصعب؛ لأن الورق، رغم أزماته، كان نموذجًا نعرفه جيدًا. أما العالم الجديد فلا يمنح المؤسسات الصحفية ضمانات لمجرد أنها أعلنت أنها أصبحت رقمية. المنافسة فيه أشد، والقارئ أسرع، والخيارات أكثر، والذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المهنة أمام أعيننا.
ولهذا فإن ما بعد الورق مسؤولية أكبر من قرار إيقافه.
علينا أن نصنع صحافة تستحق أن يبحث عنها القارئ وسط هذا الضجيج في عالم التواصل، وأن نعيد تعريف علاقتنا بالجمهور، وأن نستقطب أجيالًا أخرى، وأن نستثمر في التقنية دون أن نفقد الإنسان، وأن نستخدم الذكاء الاصطناعي دون أن نتخلى عن الحس الصحفي، وأن نبحث عن موارد جديدة دون أن تصبح الأرقام أهم من القيمة.
اليوم، حين تصمت المطبعة، سيبقى شيء من الحنين بالتأكيد.
ومن حقنا وحقكم أن نشعر به؛ فهذه سنة الحياة في علاقاتنا.
لكنني لا أريد أن يكون صوت توقفها أعلى من صوت البداية التي أمامنا.
لن أقول: لقد نجحنا في التحول الرقمي.
سأقول فقط:
انتهت وسيلة خدمتنا لعقود، وبدأ اختبار وسيلة أخرى.
أما «الرياض» و«اليمامة» فهما أكبر من الورق، وأكبر من الشاشة أيضًا، وأعمق من أن أكتب عنهما سطورًا تصف الحال. قيمتهما فيما صنعتاه من ثقة، وما حفظتاه من ذاكرة، وما تستطيعان أن تصنعاه غدًا.
ولذلك، فإن 24 أغسطس 2026 ليس يومًا للحزن، ولا يومًا لإعلان النجاح.
إنه يوم بين زمنين.
نحترم فيه ما مضى، ونغلق المطبعة بهدوء، ونطفئ مصابيحها، لنضيء مصابيح أخرى أكثر نورًا في المكان، ثم نتجه إلى المستقبل ونحن نعرف أن أصعب سؤال يشغل تفكيرنا اليوم ليس:
لماذا أوقفنا الورق؟
بل:
ماذا سنصنع بعده؟
*مدير عام مؤسسة اليمامة الصحفية










































