اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٨ أيلول ٢٠٢٦
د. عبدالعزيز حمد العويشق
للحوار الوطني المنتظر أهمية قُصوى بعد ثلاث سنوات من الحرب الطاحنة التي أدت إلى أزمة إنسانية لا مثيل لها في العالم في الانتهاكات المروعة التي تعرض لها المدنيون، بما في ذلك المذابح الجماعية والاعتداءات الجنسية والتعذيب وعرقلة وصول المساعدات إلى السكان..
في الأول من سبتمبر، مهدت الحكومة السودانية لاستئناف الحوار الوطني بإلغاء التهم الجنائية التي سبق توجيهها لممثلي المعارضة الموجودين في الخارج، بهدف تشجيع عودتهم إلى الوطن للمشاركة في هذا الحوار المرتقب، الذي بعث آمالاً في استعادة السلام بعد ثلاث سنوات من الصراع الدموي الذي نتج عنه واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم.
بعد الانقلاب الذي أطاح بالرئيس السابق عمر البشير عام 2019، دخلت السودان مرحلة جديدة من الحوار الجاد الذي شارك فيه ممثلون عن المجتمع المدني، بما في ذلك مجموعات المعارضة التي كانت مهمشة في عهده، بالإضافة إلى ممثلين من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وغيرهما، وكان محور تلك النقاشات التمهيد للانتقال إلى حكم مدني، بعد أن ساعدت اتفاقية جوبا عام 2020 على اندماج بعض المجموعات المسلحة في الحياة السياسية، وهي التي كانت مناوئة لحكم البشير.
ولكن الانقلاب اللاحق في أكتوبر 2021 جعل استمرار الحوار أكثر صعوبة، ثم توقف الحوار كلية بعد انفصال قوات الدعم السريع في أبريل 2023، إذ أصرت الحكومة السودانية على هزيمة المتمردين قبل استئناف الحوار. ومنذ ذلك الحين لم تلق دعوات الحوار أذناً صاغية. ولهذا فإن موافقة السلطات السودانية الآن على استئنافه تمثل نقلة نوعية.
وكانت لجنة من الحكماء برئاسة الأكاديمي البروفسور قاسم بدري قد أعلنت الشهر الماضي عن عزمها تهيئةَ الأجواء المناسبة للحوار الوطني، وضمت اللجنة 19 عضواً؛ بعضهم مقيم في المهجر. وفي 14 أغسطس أعلن الفريق عبدالفتاح البرهان دعمه لهذه المبادرة والموافقة على إطار العمل المقترح، مؤكداً استقلالية اللجنة وعزم الحكومة على تقديم أي ضمانات سياسية وقانونية وأمنية تطلبها اللجنة للمشاركين في الحوار.
في 30 أغسطس، بدأت لجنة التحضير للحوار أعمالها ببدء المشاورات مع الأحزاب السياسية وأطياف المجتمع المدني بهدف إعادة بناء الثقة بينها قبل بدء الحوار رسمياً. وطلبت من السلطات ضمان حصانة المشاركين من الملاحقة، وذلك لتسهيل مشاركة من عليه تهم سابقة. وبالفعل استجاب وزير العدل السوداني لطب اللجنة وأعلن يوم 1 سبتمبر عن قانون جديد ينص على إسقاط التهم السياسية السابقة، مؤكداً أن العائدين لن يتعرضوا للملاحقة القضائية جرّاء أي بيانات أو مواقف يُعبّرون عنها خلال فترة الحوار، وعرض الوزير أيضاً تقديم المساعدات اللوجستية للمنظمين.
وفي اليوم نفسه رحب الاتحاد الأفريقي ترحيباً حاراً بجهود لجنة الحكماء ومبادرتها للتحضير لحوار مستقل 'يُجسّر الفجوة بين الأطراف السودانية ويوفر البيئة اللازمة لإنهاء النزاع المسلح واستعادة السلام والاستقرار'.. واقترح الاتحاد أن تشمل المشاورات ممثلي كافة التوجهات السياسية والاجتماعية، وأن تظل بقيادة سودانية حقيقية.
لهذا الحوار المنتظر أهمية قُصوى بعد ثلاث سنوات من الحرب الطاحنة التي أدت إلى أزمة إنسانية لا مثيل لها في العالم في الانتهاكات المروعة التي تعرض لها المدنيون، بما في ذلك المذابح الجماعية والاعتداءات الجنسية والتعذيب وعرقلة وصول المساعدات إلى السكان.
وفقاً لتقارير الأمم المتحدة، فإن 33 مليون من المدنيين –ما يعادل 62 بالمئة من إجمالي السكان– أصبحوا في حاجة للمساعدات، بما في ذلك نحو 14 مليون نازح داخل السودان، وخمسة ملايين لاجئ خارجها. وأدى الانهيار شبه الكامل للنظام الصحي إلى نقص حاد في الأدوية الضرورية وعلاجات الملاريا واللقاحات. ومما يُحزن حقاً أن هناك هجمات متعمدة على المؤسسات الطبية وعلى قوافل المساعدات، مما زاد الأزمة سوءاً وتعقيداً.
بالإضافة إلى الخسائر البشرية وانتهاكات حقوق الإنسان فإن آثار الحرب قد انعكست سلباً على الأمن والاستقرار الإقليميين، إذ امتد الصراع ليشمل أطرافاً إقليمية ودولية عدة. ولهذه الأسباب فإن الدعوة للحوار تُعطي بصيصاً من الأمل بعد سنوات مظلمة من الصراع الدامي.
وقد عبّر الاتحاد الأفريقي عما يتطلع إليه السودانيون ومحبو السودان، إقليمياً ودولياً، بأن يكون الهدف الأسمى لهذا الحوار 'سودان متحد، مكتمل السيادة، يسوده السلام، وتحكمه مؤسسات تحظى بالشرعية، تحت إطار أمني وطني واحد يمتلك آليات فعالة لحل الخلافات السياسية والاجتماعية بالطرق السلمية'.. ولعل الأشقاء في السودان يستمعون إلى هذه النصائح المخلصة من الاتحاد الإفريقي.










































