اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٩ تموز ٢٠٢٦
سارة المعيذر
خطوة استثنائية نحو اقتصاد الطاقة والمعرفة في لحظات التحول الكبرى، حيث لا تقاس قوة الدول بما تمتلكه من موارد بل بقدرتها على تحويل تلك الموارد إلى معرفة، وبناء صناعات جديدة، وتأهيل كوادر وطنية تمتلك أدوات المستقبل.
ومن هذا المنظور، يمثّل اتفاق التعاون النووي المدني بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية خطوة استثنائية ومتقدمة في مسيرة التحول الاقتصادي والتقني للمملكة، ونقلةً تنقل العلاقة بين البلدين من التعاون التقليدي في مجال الطاقة إلى شراكة طويلة الاجل في واحدة من أكثر الصناعات دقة وتأثيراً في العالم.
وقد وقّع وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان ووزير الطاقة الأميركي كريس رايت اتفاقًا للتعاون النووي السلمي، يُعرف باتفاق (123)، مصحوبًا بترتيبات ثنائية للضمانات. وبحسب وزارة الطاقة الأميركية، يضع الاتفاق أساسًا قانونيًا لشراكة تمتد لعقود وتُقدّر قيمتها بمليارات الدولارات، وتجمع بين الأهداف الاقتصادية والاستراتيجية ومتطلبات الاستخدام السلمي والحد من الانتشار النووي. وكان الجانبان قد أعلنا في نوفمبر 2025 استكمال مفاوضات التعاون تمهيدًا للوصول إلى الصيغة النهائية.. فإن أهمية الاتفاق لا تكمن في تشييد منشآت لإنتاج الكهرباء بل في تأسيس منظومة اقتصادية وعلمية متكاملة تشمل البنية التحتية، والهندسة، والأبحاث، والتعليم والتدريب، وسلاسل الإمداد، والصيانة، والخدمات التقنية المتقدمة.
ولذلك يمكن النظر إليه باعتباره مشروعًا لبناء القدرات الوطنية قبل أن يكون مشروعًا لإنتاج الطاقة. فمن قوة النفط إلى شمولية الطاقة حيث ارتبط اسم المملكة لعقود بمكانتها المحورية في أسواق النفط العالمية، غير أن رؤية السعودية 2030 جاءت لتؤسس مفهومًا أوسع لقوة الطاقة، يقوم على التنويع والتكامل بدل الاعتماد على مصدر واحد.
وفي هذه المعادلة، لا تتعارض الطاقة النووية مع النفط والغاز والطاقة المتجددة، بل تكملها، وتمنح المملكة مزيجًا أكثر تنوعًا ومرونة وقدرة على تلبية الطلب المستقبلي. وعند قراءة هذا الاتفاق من زاوية إنتاج الكهرباء وحدها لا تكفي لفهم أهميته. فالواقع أن الطاقة النووية المدنية أصبحت اليوم إحدى ركائز الاقتصاد الحديث، لما توفره من مصدر مستقر ومنخفض الانبعاثات للكهرباء، وقدرة على دعم النمو الصناعي، وتعزيز أمن الطاقة، وتقليل الاعتماد على المصادر التقليدية.
ومن هنا، فإن دخول المملكة إلى هذا المجال يمثل انتقالًا من مرحلة تنويع مصادر الطاقة إلى مرحلة بناء منظومة متكاملة للصناعات والتقنيات المتقدمة، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تضع الاقتصاد المعرفي ونقل التكنولوجيا في صدارة أولوياتها.
كاستثمار في المستقبل قبل أن يكون استثمارًا في الطاقة فالقيمة الحقيقية لأي برنامج نووي مدني لا تُقاس بعدد المفاعلات التي سيتم إنشاؤها، بل بما ينتجه من معرفة وخبرات وصناعات وفرص استثمارية. فالبرنامج النووي بطبيعته يفرض تطوير منظومات متقدمة في الهندسة، والفيزياء، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والمواد المتقدمة، وإدارة المشاريع العملاقة، وهو ما يدفع الجامعات ومراكز الأبحاث والقطاع الخاص إلى الانخراط في بيئة علمية وصناعية أكثر تطورًا، فإن هذا المسار يعني بناء جيل جديد من الكفاءات الوطنية القادرة على قيادة أحد أكثر القطاعات التقنية تعقيدًا في العالم، وهو استثمار طويل الأمد في رأس المال البشري، الذي يمثل المحرك الأساسي للاقتصادات الحديثة.










































