اخبار تونس
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٣٠ أذار ٢٠٢٦
تدعو إلى مراجعة اتفاق الشراكة حتى 'يكون متوازناً وأكثر عدلاً وإنصافاً'
أثارت دعوة الرئيس التونسي، قيس سعيد، إلى مراجعة اتفاق الشراكة الشامل الذي وقع مع الاتحاد الأوروبي عام 1995 تساؤلات حول ما إذا كان ذلك يمهد لفك الارتباط بين بروكسل وتونس.
وجاءت دعوة الرئيس قيس سعيد على هامش محادثة هاتفية مع نظيره الفرنسي، إيمانويل ماكرون، لمناسبة الذكرى الـ70 لاستقلال البلاد، تطرق خلالها إلى 'ضرورة مراجعة اتفاق الشراكة حتى يكون متوازناً وأكثر عدلاً وإنصافاً'.
ودعا الرئيس سعيد الاتحاد الأوروبي إلى توفير دعم مالي لبلاده من أجل تأمين العودة الطوعية للمهاجرين غير النظاميين، الذين يتحدرون من بلدان أوروبية ويقيمون في تونس منذ أعوام، إلى بلدانهم الأصلية.
وكثيراً ما واجه اتفاق الشراكة الشامل بين تونس والاتحاد الأوروبي انتقادات، إذ ترى دوائر سياسية تونسية أنه تسبب في عجز الميزان التجاري، علاوة على الأعباء التي باتت تتحملها البلاد في ملف الهجرة غير النظامية.
وعد النائب البرلماني التونسي السابق المقيم في إيطاليا، مجدي الكرباعي، أن في سياق مرور 30 عاماً على اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، تأتي دعوة قيس سعيد إلى إعادة النظر في هذا الاتفاق كتعبير عن تراكم اختلالات هيكلية في العلاقة بين الطرفين، بخاصة على المستويين التجاري والاقتصادي.
وتابع الكرباعي في تصريح خاص أنه 'منذ عام 1995 اتجهت تونس نحو فتح تدرجي لأسواقها، في حين ظل النفاذ إلى السوق الأوروبية محكوماً بقيود عدة، من بينها نظام الحصص والحواجز غير الجمركية، وهو ما برز بوضوح في ملف زيت الزيتون، إذ رفض الاتحاد الأوروبي الترفيع في الكميات المعفاة من الرسوم، على رغم أهمية هذا القطاع بالنسبة إلى الاقتصاد التونسي'.
ولفت إلى أن 'هذه الدعوة إلى المراجعة يمكن أن تشمل مجالات عدة مترابطة، في مقدمها إعادة التوازن في المبادلات التجارية ومراجعة شروط الاستثمار، بما يسمح بنقل فعلي للتكنولوجيا بدل الاكتفاء بدور المناولة، إضافة إلى إعادة صياغة التعاون في ملف الهجرة، الذي طغى عليه البعد الأمني على حساب المقاربة التنموية. كذلك تطرح مسألة الطاقة والسيادة الاقتصادية نفسها بقوة، بخاصة في ظل المشاريع المرتبطة بالطاقات المتجددة، وما تثيره من مخاوف حول تكريس دور تونس كمجرد مزود للموارد من دون تحقيق قيمة مضافة محلية، غير أن هذا الطرح، على رغم مشروعيته من جهة المبدأ، يصطدم بواقع اقتصادي وسياسي معقد'.
وزاد إحجام رئاسة الجمهورية في تونس عن كشف مقترحات الرئيس سعيد لتعديل اتفاق الشراكة الشامل مع الاتحاد الأوروبي، من حدة الجدل في شأن المجالات التي ترغب البلاد في أن تطاولها التعديلات المرتقبة.
وقال الباحث السياسي التونسي، المنذر ثابت 'منذ أعوام تتعالى الأصوات للمطالبة بتقييم هذا الاتفاق وإدخال تعديلات عليه، في علاقة بالإطار العام للشراكة بين الطرفين، خصوصاً عند طرح سؤال مهم مثل: هل تعطي هذه الشراكة الحق للاتحاد الأوروبي في التدخل بالشؤون السياسية التونسية، وهناك تأكيد لملف الهجرة'.
وأوضح ثابت في تصريح خاص أن 'هذا الملف برز في الأعوام الأخيرة بقوة كملف يحظى باهتمام مشترك، ومحل خلافات في الآن ذاته، فالاتحاد الأوروبي كان طالب تونس بأن تكون جداراً عازلاً لمنع تدفق المهاجرين الأفارقة على الدول الأوروبية، وهي تجربة لم تكن ناجحة إذ تحملت تونس أعباء كبيرة جراء تدفق الآلاف من المهاجرين غير النظاميين، وهو ما حمل في طياته أخطاراً أمنية لتونس وإشكالات متعلقة بالبعدين الاجتماعي والثقافي'.
ويعتقد أن 'مشكلة الشراكة مع الاتحاد الأوروبي طرحت قضية العدل في التعاطي بين اقتصادات متفاوتة في مستوى القوة المالية والتكنولوجية، مما جعل الأصوات تتعالى لتعديل الاتفاق بين بروكسل وتونس من أجل تأهيل المؤسسات التونسية من الناحية التكنولوجية والتمويل، لتكون في مستوى المنافسة مع نظيرتها الأوروبية'.
وأردف ثابت 'كذلك بروز آليات رقابية حمائية حصنت السوق الأوروبية في الأعوام الماضية من تدفق السلع، مما أدى إلى تفاقم العجز التجاري مع تونس، لذلك يبدو أن هذه الدعوة حقيقية للقيام بمراجعات هيكلية لهذا الاتفاق وإعادة صياغة البنود المتعلقة بالهجرة، سواء نظامية أو غير نظامية'.
وطرحت هذه الدعوة تساؤلات جدية داخل الدوائر السياسية في تونس حول الأوراق التي تملكها البلاد إذا جرى فتح محادثات رسمية لتعديل اتفاق الشراكة الشامل مع الاتحاد الأوروبي.
يرى مجدي الكرباعي أن 'تونس تمر بأزمة اقتصادية عميقة، وتعتمد بصورة كبيرة على السوق الأوروبية التي تستوعب الجزء الأكبر من صادراتها، وفق معطيات المعهد الوطني للإحصاء وتقارير البنك الدولي حول هيكلة الاقتصاد التونسي، كذلك يحد الوضع السياسي الداخلي، الذي يتسم بضعف التوازنات المؤسساتية وغياب رؤية اقتصادية واضحة، من قدرة البلاد على خوض مفاوضات مع طرف يتمتع بثقل اقتصادي وسياسي كبير مثل الاتحاد الأوروبي'.
وذكر أن 'في هذا الإطار، لا يمكن الحديث عن توجه نحو فك الارتباط مع أوروبا، بقدر ما نحن أمام محاولة لإعادة التموقع وإعادة التوازن في العلاقة، غير أن نجاح هذا المسار يبقى رهن توفر شروط موضوعية، على رأسها تنويع الشركاء الاقتصاديين وتحسين مناخ الاستثمار وبناء استراتيجية وطنية واضحة، وفي غياب ذلك، يظل خطر انزلاق هذا الطرح إلى مستوى الخطاب السياسي قائماً، بخاصة إذا لم يترجم إلى سياسات وإجراءات ملموسة'.
واستنتج المتحدث ذاته قائلاً 'عليه، يمكن القول إن الدعوة إلى مراجعة اتفاق الشراكة تعبر عن حاجة حقيقية إلى تصحيح مسار علاقة غير متكافئة، لكنها في الوقت ذاته تكشف حدود القدرة التفاوضية لتونس في ظل الأوضاع الراهنة، مما يجعلها تقف عند مفترق طرق بين إعادة بناء شراكة أكثر عدالة، أو الاكتفاء بخطاب سيادي لا يجد طريقه إلى التنفيذ'.

























